بيان العلم و فضله
 الناشر : admin11 قسم:مقالات

بيان العلم و فضله

يقول العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله , في مجموع الفتاوى والرسائل:

بيان العلم والعلماء ، والفقه والفقهاء ، وبيان من تشبه بهم وليس منهم ، وقد بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة من قوله: { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } إلى قوله: { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } ، . ويزيده وضوحًا ما صرحت به السنة في هذا الكلام الكثير البين الواضح للعامي البليد ، ثم صار هذا أغرب الأشياء ، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل ، وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون ، وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم .

الشرح:

المراد بالعلم (1) هنا العلم الشرعي وهو : “علم ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى” ، والعلم الذي فيه المدح والثناء هو علم الشرع علم ما أنزله الله على رسوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من الكتاب والحكمة قال الله تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } ، وقال النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : « من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين » ، وقال النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : « إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر » (2) . ومن المعلوم أن الذي ورثه الأنبياء إنما هو علم الشريعة، ومع هذا فنحن لا ننكر أن يكون للعلوم الأخرى فائدة ، ولكنها فائدة ذات حدين: إن أعانت على طاعة الله وعلى نصر دين الله وانتفع بها عباد الله كانت خيرًا ومصلحة ، وقد ذكر بعض أهل العلم أن تعلم الصناعات فرض كفاية وهذا محل نظر ونزاع .

وعلى كل حال فالعلم الذي ورد الثناء فيه وعلى طالبيه هو فقه كتاب الله وسنة رسوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ، وما عدا ذلك فإن كان وسيلة إلى خير فهو خير ، وإن كان وسيلة إلى شر فهو شر، وإن لم يكن وسيلة لهذا وهذا فهو ضياع وقت ولغو .

والعلم له فضائل كثيرة :

منها : أن الله يرفع أهل العلم في الآخرة وفي الدنيا، أما في الآخرة فإن الله يرفعهم درجات بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله والعمل بما عملوا، وفي الدنيا يرفعهم الله بين عباده بحسب ما قاموا به قال الله تعالى: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } .

ومنها : أنه إرث النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كما قال النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : « إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر » .

ومنها : أنه مما يبقى للإنسان بعد مماته فقد ثبت في الحديث أن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال : « إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » .

ومنها : أن الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لم يرغب أحدًا أن يغبط أحدًا على شيء من النعم إلا على نعمتين هما:

1 – طلب العلم والعمل به .

2 – الغني الذي جعل ماله خدمة للإسلام ، فعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالًا »

« فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها » .

ومنها : أن العلم نور يستضيء به العبد فيعرف كيف يعبد ربه وكيف يعامل غيره، فتكون مسيرته في ذلك على علم وبصيرة .

ومنها : أن العالم نور يهتدي به الناس في أمور دينهم ودنياهم ، ولا يخفى على كثير من الناس « قصة الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا فسأل رجلًا عابدًا هل له من توبة . فكأن العابد استعظم الأمر فقال: “لا” فقتله السائل فأتم به المائة ، ثم ذهب إلى عالم فسأله فأخبره أن له توبة وأنه لا شيء يحول بينه وبين التوبة، ثم دله على بلد أهله صالحون ليخرج إليه فخرج فأتاه الموت في أثناء الطريق » ، والقصة مشهورة ,فانظر الفرق بين العالم والجاهل .

إذا تبين ذلك فلا بد من معرفة من هم العلماء حقًا ، هم الربانيون الذين يربون الناس على شريعة ربهم حتى يتميز هؤلاء الربانيون عمن تشبه بهم وليس منهم ، يتشبه بهم في المظهر والمنظر والمقال والفعال، لكنه ليس منهم في النصيحة للخلق وإرادة الحق ، فخيار ما عنده أن يلبس الحق بالباطل ويصوغه بعبارات مزخرفة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، بل هو البدع والضلالات الذي يظنه بعض الناس هو العلم والفقه وأن ما سواه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون .

هذا معنى كلام المؤلف -رحمه الله- وكأنه يشير إلى أئمة أهل البدع المضلين الذين يلمزون أهل السنة بما هم بريئون منه ليصدوا الناس عن الأخذ منهم ، وهذا إرث الذين طغوا من قبلهم وكذبوا الرسل كما قال الله تعالى: { كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } . قال الله تعالى: { أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } .

__________

  1. 1-انظر في هذا الكتاب الفذ لشيخنا “كتاب العلم” .
  2. 2-أخرجه الإمام أحمد جـ5 ص196، وأبو داود (3641) والترمذي (2681) وابن ماجه (223) والدارمي (338) والبغوي في ” شرح السنة” جـ 1 ص 275 برقم {129}،وابن حبان في “صحيحه” برقم 88 ، والهيثمي في “موارد الظمآن” جـ 1ص 177 برقم {80} ، والبخاري في ” صحيحه” جـ8 ص 337 ، قال الحافظ في “الفتح” جـ1 ص 160 “وله شواهد يتقوى بها”.