حول كرامات الأولياء
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

الفتوى للشيخ العلامة أبي المعز محمد بن علي فركوس

الصنـف: فتاوى العقيدة – أركان الإيمان – الرسل

حول كرامات الأولياء

السـؤال:

هل كراماتُ الأولياء حقٌّ؟ وهل كلُّ خارقةٍ للعادة تدلُّ على صِدقِ مَن ظهرت على يديه؟ أفيدونا مع التفصيل جزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالكرامةُ هي ما يجريه اللهُ على يد بعض أوليائه المؤمنين من خوارق العادات في العلوم والمكاشفات والقدرة والتأثير غيرَ مقرونٍ بدعوة النبوَّة ولا مقدِّمةٍ لها.

والأمر الخارق للعادة -في الكرامة- إنما يجريه الله تعالى على مَنْ ظاهرُه الإيمان والعملُ الصالح والتزامه بمتابعة نبيٍّ كُلِّف بشريعةٍ، فالكرامةُ لا تحصل إلاَّ ببركةِ متابعة النبيِّ، فكان وقوع كرامات الأولياء -في حقيقة الأمر- من معجزات الأنبياء.

أمَّا خوارق العادات التي تظهر على أيدي أهل الدَّجل والضلال والانحراف السلوكيِّ والعقديِّ ممَّن يدعو مع الله إلهًا آخر أو يدَّعي معرفةَ أسرار الكون والاطِّلاعَ على الغيب أو من يدعو الأمواتَ والأحياء من الجنِّ والإنس معتقدًا نَفْعَهم وضرَّهم، كالسحرة والكهنة والمشعوذة ونحو ذلك؛ فإنما هي أحوالٌ شيطانيةٌ وخوارق إبليسيةٌ ليست من الكرامة في شيءٍ(١).

وبهذا المعيار السابق تظهر –أيضًا- خوارق المعجزة التي يجريها الله تعالى على أيدي الرسل والأنبياء الذين يخبرون عن الله تعالى ويتحدَّوْن بالمعجزة العبادَ لتصديقهم والإقرار بدعوتهم وما أُرسلوا به.

وعليه فلا تدلُّ خوارق العادات في ذاتها على صدقِ مَن ظهرت على يديه ولا على ولايته، فقد تكون استدراجًا أو مَكْرًا، وقد تُعَدُّ ابتلاءً فيسعد بها قومٌ ويشقى آخَرون.

هذا، ومن أمثلة الكرامة في باب العلوم والمكاشفات: قصَّة الخَضِر(٢) مع موسى عليه السلام وما أجرى الله على يده من الوقائع الثلاث التي استعظمها موسى عليه السلام: خرق السفينة، وقتل الصبيِّ، وتقويم الجدار، وكإخبار أبي بكرٍ رضي الله عنه أنَّ في بطن امرأته أنثى فصدَّق الله ظنَّه وجعل ذلك كرامةً له(٣)، ونداء عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وهو على منبره بالمدينة فقال: «يا سارية بنَ زُنَيْم، الجبلَ» وهو بالعراق فسمعه(٤).

أمَّا أمثلة الكرامة في باب القدرة والتأثير: فقصَّة أصحاب الكهف ومكوثهم فيه أحياء ثلاثمائةٍ سنينَ وازدادوا تسعًا، وقصَّة مريم حيث كانت تؤتى بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، فعجب من ذلك زكريَّا وقال: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] وقصَّة «سارَة» زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام التي بشَّرها الرسل بإسحاق، وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧١-٧٣]، وكذلك في قصَّة الذي عنده علمٌ من الكتاب مع سليمان عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، ونحو ذلك كثيرٌ(٥)، ولا تزال كرامات الأولياء جاريةً إلى قيام الساعة. وهذا يدلُّ على أنه يوجد مع السنن والأسباب المقتضية للمسبَّبات الموضوعة لها سننٌ أخرى لا يقع علمُ البشر عليها ولا تدركها أعمالُهم وأسبابهم.

هذا، وأهل السنَّة والجماعة يؤمنون بما صحَّ من كرامات الأولياء وجوبًا وأنها حقّ، أمَّا ما لم يثبت فحكمه التوقُّف فيه مع الإقرار بإمكان وقوعه من غير إثباته ولا نفيه، وهم بذلك يخالفون المعتزلةَ ومن وافقهم في إنكارهم لكرامات الأولياء(٦).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٩ جمادى الأولى ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ١٤ ماي ٢٠٠٩م

—————————————————-

(١) انظر: «قاعدة في المعجزات والكرامات» لابن تيمية (١١/ ٣١١)، وانظر رسالته: «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» وفي «مجموع الفتاوى» (١١/ ٢٧٦-٢٨٢).

(٢) وهذا إذا ما تقرَّر أنَّ الخضر وليٌّ و ليس نبيًّا وهو قول أكثر العلماء. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٤٩٧)، «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٨٧)].

(٣) أخرجه مالك في «الموطإ» (٢/ ٧٥٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١١٩٤٨)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٨٨)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٩/ ١٢٤)، عن عائشة رضي الله عنها. قال الألباني في «الإرواء» (٦/ ٦٢): «وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين».

(٤) أخرجه البيهقي في «الاعتقاد» (٣١٤)، وأبو نعيم في «دلائل النبوَّة» (٢/ ٥٧٩)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٩/ ١٢٨)، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وحسَّنه ابن حجر في «الإصابة» (٢/ ٣)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ١٠١).

(٥) للاطِّلاع على مجموعةٍ من وقائع كرامات الأولياء يراجع الجزء التاسع (٩) المتعلِّق ﺑ «كرامات أولياء الله» من كتاب «شرح اعتقاد أهل السنَّة و الجماعة» لأبي القاسم اللالكائي رحمه الله.

(٦) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٥٥٨-٥٦٤).