شبهة نسبة ادِّعاء علم الغيب لابن تيمية ـ رحمه الله ـ
 الناشر : admin11 قسم:مقالات

سلسلة ردود على الشبهات العقدية
لـ «شمس الدين بوروبي»
إدارة موقع الشيخ محمد علي فركوس

الشبهة الثالثة
نسبة ادِّعاء علم الغيب لابن تيمية ـ رحمه الله ـ

قال المُحاضِر ـ هداه الله ـ: «اتَّهَموا الصوفيةَ بالغلوِّ في رسول الله ثمَّ سقطوا في بدعة الجفاء، ثمَّ سقطوا في بدعة الغلوِّ في ابن تيمية، اسمعوا جيِّدًا يا جماعة «مدارج السالكين» … ها هو كتاب «مدارج السالكين»، أَنْكَروا على الإمام البوصيري أن يقول لرسول الله:

وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمُ اللَّوْحِ وَالقَلَمِ

اسمعوا ماذا يقول ابن القيِّم في «مدارج السالكين»، الكتاب موجودٌ، لست أنا الذي ألَّفتُه ولست أنا الذي أنشرُه بين المسلمين، يقول عن ابن تيمية: «ولقد شاهدتُ مِن فراسة شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ أمورًا عجيبةً، وما لم أشاهده منها أعظمُ وأعظمُ، ووقائعُ فراسته تستدعي سِفْرًا ضخمًا، أخبر أصحابَه بدخول التَّتار الشَّامَ سنةَ تسعٍ وتسعين وستِّمائةٍ، وأنَّ جيوش المسلمين تُكْسَرُ، وأنَّ دمشق لا يكون بها قتلٌ عامٌّ ولا سبيٌ عامٌّ، وأنَّ كَلَبَ الجيشِ وحِدَّتَه في الأموال، وهذا قبل أن يَهُمَّ التَّتارُ بالحركة. ثمَّ أخبر النَّاسَ والأمراءَ سنةَ اثنتين وسبعمائةٍ لمَّا تحرَّك التَّتارُ وقصدوا الشَّامَ: أنَّ الدَّائرةَ والهزيمةَ عليهم، وأنَّ الظَّفَرَ والنَّصرَ للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثرَ مِن سبعين يمينًا، فيقال له: «قُلْ: إن شاء الله»، فيقول: «إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا» [هذا رجلٌ يزعم أنَّ شيخَه يعلم الغيبَ ويعلم أنَّ التتار سيدخلون إلى البلاد الإسلامية وأنهم سينتصرون وأنهم سيُكْسَرون في بعض المعارك…]، وسمعتُه يقول ذلك، قال: «فلمَّا أكثروا عليَّ قلت: لا تُكْثِروا [ماذا قال؟ اسمعوا جيِّدًا] كَتَبَ اللهُ ـ تعالى ـ في اللَّوح المحفوظ [هل يجوز لمسلمٍ أن يدَّعيَ الغيبَ ثمَّ يزعمَ أنَّ الله كتبه في اللوح المحفوظ؟ هل هذا معصومٌ؟ هل أوحى الله إليه؟ أوحِيَ بعد رسول الله؟] أنَّهم مهزومون في هذه الكرَّة، وأنَّ النَّصر لجيوش الإسلام. قال: وأطمعَتْ بعضَ الأمراء والعسكر حلاوةُ النَّصر قبل خروجهم إلى لقاء العدوِّ»».

ماذا نسمِّي هذا؟ ينكرون على رسول الله أن يُطلعه على بعض غيبه، ولكنَّهم لا ينكرون على مشايخهم ادِّعاءَ الغيب».

الجواب:

زعمُ المُحاضِر المراوغ أنَّ ابنَ القيِّم يدَّعي في ابن تيمية ـ رحمهما الله ـ اطِّلاعَه على الغيب زعمٌ باطلٌ مُنمٌّ عن جهلٍ عريضٍ بحقائق الأمور ووجهِ التفريق بينها، فعدمُ معرفة المُحاضِر ـ هداه الله ـ الفرقَ بين ماهية الأشياء أنتج له ظلمًا لهذين العَلَمين ـ رحمهما الله ـ وتجنِّيًا على السلفية، والحقُّ أنه جنى على نفسه إذ نصَّبها ناقدةً وحاكمةً على الغير، وهو فاقدٌ للميزان الذي يميِّز به الاختلافَ الحاصل بين حقيقة «الغيب»، و«الإلهام» و«الفراسة» لقِصَرٍ في الفهم وطول باعٍ في الجهل، فتمسَّك بالقَدْر المشترَك بينها وألغى الخصائصَ الفارقة لها، وأعطى حقائقَ كلِّ نوعٍ للآخَرِ(١).

وسنسوق كلامَ ابن القيِّم بتمامه ونبيِّن وَهَاءَ ما دندن حوله المُحاضِر، يقول ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «ولقد شاهدتُ مِن فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أمورًا عجيبةً، وما لم أشاهده منها أعظمُ وأعظمُ، ووقائع فراسته تستدعي سِفْرًا ضخمًا، أخبر أصحابَه بدخول التتار الشامَ سنة تسعٍ وتسعين وستِّمائةٍ، وأنَّ جيوشَ المسلمين تُكسر، وأنَّ دمشق لا يكون بها قتلٌ عامٌّ ولا سبيٌ عامٌّ، وأنَّ كَلَب الجيش وحِدَّته في الأموال، وهذا قبل أن يَهُمَّ التتارُ بالحركة، ثمَّ أخبر الناس والأمراء سنةَ اثنتين وسبعمائةٍ لمَّا تحرَّك التتارُ وقصدوا الشامَ: أنَّ الدائرة والهزيمة عليهم، وأنَّ الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثرَ مِن سبعين يمينًا، فيقال له: «قل: إن شاء الله»، فيقول: «إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا»، وسمعتُه يقول ذلك، قال: «فلمَّا أكثروا عليَّ قلت: لا تُكْثِروا، كتب الله ـ تعالى ـ في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرَّة وأنَّ النصر لجيوش الإسلام. قال: وأطمعَتْ بعضَ الأمراء والعسكر حلاوةُ النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو». وكانت فراستُه الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر، ولمَّا طُلِب إلى الديار المصرية وأريد قتلُه ـ بعدما أُنضجت له القدورُ، وقُلِّبت له الأمورُ ـ اجتمع أصحابُه لوداعه وقالوا: «قد تواترت الكتبُ بأنَّ القوم عاملون على قتلك»، فقال: «واللهِ لا يَصِلُون إلى ذلك أبدًا»، قالوا: «أفتُحْبَس؟» قال: «نعم، ويطول حبسي، ثمَّ أُخْرَج وأتكلَّم بالسنَّة على رءوس الناس»، سمعتُه يقول ذلك. ولمَّا تولَّى عدوُّه الملقَّب بالجاشنكير المُلْكَ أخبروه بذلك وقالوا: «الآن بلغ مرادَه منك»، فسجد لله شكرًا وأطال، فقيل له: «ما سبب هذه السجدة؟» فقال: «هذا بداية ذلِّه ومفارقةِ عزِّه مِن الآن، وقربُ زوال أمره»، فقيل: «متى هذا؟» فقال: «لا تُرْبَط خيولُ الجند على القرط حتى تُغْلَب دولتُه»، فوقع الأمرُ مثل ما أخبر به، سمعتُ ذلك منه. وقال مرَّةً: «يدخل عليَّ أصحابي وغيرُهم، فأرى في وجوههم وأَعْيُنِهم أمورًا لا أذكرها لهم»، فقلت له ـ أو غيري ـ: «لو أخبرتَهم؟» فقال: «أتريدون أن أكون معرِّفًا كمعرِّف الولاة؟» وقلت له يومًا: «لو عامَلْتَنا بذلك لَكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح»، فقال: «لا تصبرون معي على ذلك جمعةً، أو قال: شهرًا». وأخبرَني غيرَ مرَّةٍ بأمورٍ باطنةٍ تختصُّ بي ممَّا عزمتُ عليه ولم ينطق به لساني، وأخبرَني ببعض حوادثَ كبارٍ تجري في المستقبل ولم يعيِّن أوقاتَها، وقد رأيتُ بعضَها وأنا أنتظر بقيَّتَها، وما شاهده كبارُ أصحابه مِن ذلك أضعافُ أضعافِ ما شاهدتُه. والله أعلمُ»(٢).

إخبارُ ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن بعض وقائع الحرب مع التتار هو مِن باب الإلهام الذي يخصُّ به اللهُ ـ سبحانه ـ مَن يشاء مِن خَلْقه، وقد جاء في الحديث قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ»(٣)، قال سفيان: «المُحَدَّثُ أَعْلَمُهُمْ بِالصَّوَابِ الَّذِي يُلْقَى عَلَى فِيهِ»(٤)، وقال ابن الأثير: «أراد بقوله: محدَّثون: أقوامًا يصيبون إذا ظنُّوا وحدَسُوا، فكأنهم قد حُدِّثوه بما قالوا، وقد جاء في الحديث تفسيرُه: «أنهم مُلْهَمُون» والمُلْهَم: الذي يُلْقَى في نفسه الشيءُ، فيُخْبِر به حَدْسًا وظَنًّا وفراسةً، وهو نوعٌ يختصُّ اللهُ به مَن يشاء مِن عباده الذين اصطفى، مثل عمر رضي الله عنه»(٥).

وجزمُه ـ رحمه الله ـ بالنصر لجيش المسلمين والكسرِ للأعداء بناءً على وعد الله ـ سبحانه ـ لعباده المتَّقين حين تحقيقهم شروطَ النصر وطرحِهم موانعَه بالظفر والنصر، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «وكان يَتأوَّلُ في ذلك أشياءَ مِن كتاب الله منها قولُه ـ تعالى ـ: ومَن ﴿بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ﴾ [الحج: ٦٠]»(٦)، ذلك لأنَّ المسلمين إنما يستمدُّون قوَّتَهم مِن الله ـ سبحانه ـ، فعند الْتجائهم إلى الله توكُّلًا ورغبةً واستعانةً وقطعِهم الطمعَ فيمن سواه ونصرِهم دينَه بامتثال أوامره والكفِّ عن زواجره يصيرون أهلًا لنصرِ الله لهم، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، والمؤمنون هم: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمَّد: ٧]، وقال: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٥ ـ ١٢٦]، وقال: ﴿وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢]، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣ ـ ١٤]، تلك هي شروطُ النصر التي رآها ابن تيمية ـ رحمه الله ـ متمثِّلةً في جيش المسلمين فجزم بهزيمة عدوِّهم، وقد كانوا مِن قبلُ قد تلبَّسوا بما يمنعهم مِن أن يُكْرِمهم الله بإحدى الحسنيين. ويزيد هذا وضوحًا قولُ ابن تيمية ـ رحمه الله ـ واصفًا الحالَ التي كان عليها المقاتلون للتتار وسببَ تخلُّف النصر عنهم وكيف غيَّر اللهُ حالَهم حين بدَّلوا ما بأنفسهم: «حتَّى إنَّ العدوَّ الخارج عن شريعة الإسلام لمَّا قَدِم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كَشْفَ ضرِّهم، وقال بعضُ الشعراء:

يَا خَائِفِينَ مِنَ التَّتَرْ * لُوذُوا بِقَبْرِ أَبِي عُمَرْ

أو قال:

عُوذُوا بِقَبْرِ أَبِي عُمَرْ * يُنْجِيكُمُ مِنَ الضَّرَرْ

فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لَانهزموا كما انهزم مَن انهزم مِن المسلمين يوم أُحُدٍ؛ فإنه كان قد قُضي أنَّ العسكر ينكسر لأسبابٍ اقتضت ذلك ولحكمةِ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ في ذلك. ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرَّة لعدم القتال الشرعيِّ الذي أَمَر اللهُ به ورسولُه، ولِما يحصل في ذلك مِن الشرِّ والفساد، وانتفاءِ النصرة المطلوبة مِن القتال، فلا يكون فيه ثوابُ الدنيا ولا ثوابُ الآخرة لمن عرف هذا وهذا، وإن كان كثيرٌ مِن المقاتلين الذين اعتقدوا هذا قتالًا شرعيًّا أُجِروا على نيَّاتهم.

فلمَّا كان بعد ذلك جعَلْنا نأمر الناسَ بإخلاص الدين لله ـ عزَّ وجلَّ ـ والاستغاثةِ به، وأنهم لا يستغيثون إلَّا إيَّاه، لا يستغيثون بملَكٍ مقرَّبٍ ولا نبيٍّ مرسلٍ؛ كما قال ـ تعالى ـ يوم بدرٍ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، ورُوِي أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يوم بدرٍ يقول: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ»(٧)، وفي لفظٍ: «أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ»(٨)، فلمَّا أصلح الناسُ أمورَهم وصدقوا في الاستغاثة بربِّهم نَصَرهم على عدوِّهم نصرًا عزيزًا، ولم تُهزم التتارُ مثلَ هذه الهزيمة قبل ذلك أصلًا؛ لِما صحَّ مِن تحقيق توحيد الله ـ تعالى ـ وطاعةِ رسوله ما لم يكن قبل ذلك؛ فإنَّ الله ـ تعالى ـ ينصر رسولَه والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهادُ»(٩)

فظهر مِن هذا أنَّ ابن القيِّم ـ عليه رحمةُ الله ـ لم يدَّعِ في شيخه معرفةَ الغيب، وأنَّ ابن تيمية حين جزم بالنصر استدلَّ بأحوال المسلمين وصلاحِ عقائدهم وأعمالهم في تحقيق موعود الله الذي لا يُخْلِف وَعْدَه.

وأمَّا قول ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وقال مرَّةً: «يدخل عليَّ أصحابي وغيرُهم فأرى في وجوههم وأعينهم أمورًا لا أذكرها لهم»، فقلت له ـ أو غيري ـ: «لو أخبرتَهم؟» فقال: «أتريدون أن أكون معرِّفًا كمعرِّف الولاة؟» وقلت له يومًا: «لو عامَلْتَنا بذلك لَكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح»، فقال: «لا تصبرون معي على ذلك جمعةً، أو قال: شهرًا»، وأخبرني غيرَ مرَّةٍ بأمورٍ باطنةٍ تختصُّ بي ممَّا عزمتُ عليه ولم ينطق به لساني» فهو مِن باب الفراسة وهي على نوعين: الأوَّل: وهو ما يُوقِعه اللهُ ـ تعالى ـ في قلوب أوليائه، فيعلمون أحوالَ بعض الناس بنوعٍ مِن الكرامات وإصابة الظنِّ والحدس، والثاني: نوعٌ يُتعلَّم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق، فتُعرف به أحوالُ الناس(١٠).

فعلى النوع الأوَّل: هي ضربٌ مِن ضروبِ الإلهام يهجم على القلب، ويَثِبُ عليه كوثوبِ الأسد على الفريسة يَرِدُ على حسب قوَّة الإيمان، فمَن كان أقوى إيمانًا فهو أحدُّ فراسةً، وعلى النوع الثاني: فَطُولُ مصاحبةِ تلامذة ابن تيمية ـ رحمه الله ـ له، ومعرفتُه بسلوكياتهم الظاهرة وخبرتُه بهم، مع ما يحدث غالبًا مِن تحديثهم لشيخهم عن بعض أسرارهم قَصْدَ الاستنصاح، أثمر له حدسًا وظنًّا بما في بواطنهم استدلالًا بما يظهر على تقاسيم وجوههم، وحركاتِ أجسامهم، وخطفاتِ نظراتهم، وليس هذا مِن قبيل ادِّعاء علمِ الغيب ألبتَّةَ(١١)، بل حدسٌ وظنٌّ مبنيٌّ على القرائن وشواهدِ الأحوال وقضايا العادات، شأنُه شأنُ توقُّعات الأحوال الجوِّيَّة القائمة على دراساتٍ معيَّنةٍ واستدلالٍ بالنظائر والتجارب، لا مدخل له في ادِّعاء علم الغيب.

تفنيد فرية اطِّلاع ابن تيمية على اللوح المحفوظ:

وأمَّا زعمُ المُحاضِر أنَّ ابن تيمية ـ رحمه الله ـ يدَّعي اطِّلاعَه على اللوح المحفوظ بناءً على ما قاله ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وسمِعْتُه يقول ذلك. قال: فلمَّا أكثروا عليَّ قلت: لا تُكْثِرُوا، كتب اللهُ ـ تعالى ـ في اللَّوح المحفوظ أنَّهم مهزومون في هذه الكرَّة وأنَّ النَّصر لجيوش الإسلام».

فليس في هذا الكلام أدنى مسكةٍ لاتِّهام ابن تيمية بادِّعاء اطِّلاعه على اللوح المحفوظ؛ لأنَّ ثمَّةَ فرقًا واضحًا بين قول: «أطَّلِعُ على اللوح المحفوظ» أو «أعلمُ ما في اللوح المحفوظ» وبين قول: «كتب اللهُ ـ تعالى ـ في اللَّوح المحفوظ كذا» لاسيَّما وأنَّ ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قد صرَّح في أكثرَ مِن موضعٍ مِن كُتُبه ومصنَّفاته بعباراتٍ وجملٍ لا تحتمل التأويلَ بأنَّ معتقَدَه الذي يَدين الله به أنْ لا أحدَ يطَّلع على اللوح المحفوظ إلَّا اللهُ ـ سبحانه ـ، ومِن ذلك قولُه ـ رحمه الله ـ: «فإن قيل: هم يذكرون لمعرفة النبيِّ بالغيب سببًا آخَرَ وهو أنهم يقولون: إنَّ الحوادث التي في الأرض تعلمها النفسُ الفلكية ويسمِّيها مَن أراد الجمعَ بين الفلسفة والشريعة باللوح المحفوظ كما يوجد في كلام أبي حامدٍ ونحوِه، وهذا فاسدٌ فإنَّ اللوح المحفوظ الذي وردت به الشريعةُ «كَتَبَ اللهُ فِيهِ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، واللوحُ المحفوظ لا يطَّلع عليه غيرُ الله»(١٢).

وأمَّا ما جزم به ـ رحمه الله ـ مِن أنَّ الله كتب في اللوح المحفوظ أنهم منصورون فبناءً على ما مضى مِن دلائل الحال مستمَدَّةً مِن نصوصٍ قرآنيةٍ سبق ذكرُ جملةٍ منها.

إثبات أنَّ الصوفية يدَّعون الاطِّلاعَ على اللوح المحفوظ:

ما اتَّهم به المُحاضِرُ ابنَ تيمية ـ رحمه الله ـ والسلفيةَ هو ـ في حقيقة الأمر ـ واقعُ الصوفية، ويصدق عليه المثلُ القائل: «رَمَتْني بدائها وانسلَّتْ»، وهذه بعضُ النقول مِن كتبهم تبيِّن أنَّ جملةً كبيرةً مِن مشايخهم يدَّعون الاطِّلاعَ على اللوح المحفوظ:

ـ يقول الشعراني ـ ذاكرًا أولياءَ الصوفية ـ: «ومنهم الشيخ جاكير رضي الله تعالى عنه هو مِن أكابر المشايخ، وأعيانِ العارفين المقرَّبين، وأئمَّة المحقِّقين، وهو أحد أركان هذه الطريقة … وكان يقول: ما أخذتُ العهدَ قطُّ على مريدٍ حتى رأيتُ اسمَه مكتوبًا في اللوح المحفوظ وأنه مِن أولادي»(١٣).

ـ ويقول أيضًا: «الشيخ العارف بالله ـ تعالى ـ سيدي إبراهيم المسوقي القرشي رضي الله عنه هو مِن أجلَّاء مشايخ الفقراء أصحابِ الخِرَق، وكان مِن صدور المقرَّبين، وكان صاحبَ كراماتٍ ظاهرةٍ ومقاماتٍ فاخرةٍ، ومآثرَ ظاهرةٍ، وبصائرَ باهرةٍ، وأحوالٍ خارقةٍ، وأنفاسٍ صادقةٍ، وهممٍ عاليةٍ… وكان رضي الله عنه يقول: أَشْهَدني اللهُ ـ تعالى ـ ما في العلى وأنا ابنُ ستِّ سنين، ونظرتُ في اللوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين، وفككتُ طلسم السماء وأنا ابن تسع سنين، ورأيتُ في السبع المثاني حرفًا معجمًا حار فيه الجنُّ والإنسُ ففهمتُه وحمدتُ اللهَ ـ تعالى ـ على معرفته، وحرَّكتُ ما سُكِّن، وسكَّنتُ ما تحرَّك بإذن الله ـ تعالى ـ وأنا ابن أربع عشرة سنةً، والحمد لله ربِّ العالمين»(١٤).

ـ ويقول ـ أيضًا ـ: «وأجرى الله على يدَيْ سيدي إسماعيل الكراماتِ، وكلَّمته البهائمُ، وكان يخبر أنه يرى اللوحَ المحفوظ، ويقول: يقع كذا وكذا لفلانٍ فيجيء الأمرُ كما قال، فأنكر عليه شخصٌ مِن علماء المالكية وأفتى بتعزيره، فبلغ ذلك سيدي إسماعيل فقال: «وممَّا رأيتُه في اللوح المحفوظ أنَّ هذا القاضيَ يغرق في بحر الفرات»، فأرسله ملكُ مصر إلى ملك الإفرنج ليجادل القسِّيسين عندهم، فإنه وَعَد بإسلامه إن قطعهم عالمُ المسلمين بالحجَّة، فلم يجدوا في مصر أَكْثَرَ كلامًا ولا جدلًا مِن هذا القاضي فأرسلوه فغرق في بحر الفرات»(١٥).

ـ ويقول ـ أيضًا ـ عن شيخه شمس الدين الحنفي: «وكان إذا سأله أحدٌ مِن المنكرين عن مسألةٍ أجابه، فإن سأله عن أخرى أجابه حتى يكون المنكر هو التاركَ للسؤال، فيقول الشيخ رضي الله عنه لذلك الشخص: «أمَا تسأل؟ فلو سألتَني شيئًا لم يكن عندي أجبتُك مِن اللوح المحفوظ»»(١٦).

ـ ويقول ـ أيضًا ـ: «ومنهم شيخي وأستاذي سيدي علي الخواص البرلسي رضي الله تعالى عنه ورحمه كان رضي الله عنه أمِّيًّا لا يكتب ولا يقرأ، وكان رضي الله عنه يتكلَّم على معاني القرآن العظيم والسنَّةِ المشرَّفة كلامًا نفيسًا تحيَّر فيه العلماءُ، وكان محلُّ كشفه اللوحَ المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولًا لا بدَّ أن يقع على الصفة التي قال، وكنتُ أُرْسِل له الناسَ يشاورونه عن أحوالهم، فما كان قطُّ يُحْوِجهم إلى كلامٍ، بل كان يخبر الشخصَ بواقعته التي أتى لأجلها قبل أن يتكلَّم فيقول: طَلِّق مثلًا أو شارِكْ أو فارِقْ أو اصبِرْ أو سافِرْ أو لا تسافِرْ، فيتحيَّر الشخص ويقول: مَن أَعْلَمَ هذا بأمري»(١٧).

وأمَّا قول المُحاضِر: «يُنكرون على رسول الله أن يُطلعه على بعض غيبه» فمِن تماديه في الباطل وتوزيعه البهتانَ على الدعوة السلفية جزافًا، فمِن أين له هذا الحكمُ الجائر؟ ويكفي لكشفِ تطاوُله وبيانِ حرمانه مِن العدل المأمورِ به شرعًا خلوُّ كلامه مِن مصادرَ تُثْبِت صحَّتَه ومراجعَ تسند حجَّتَه، ولكن كما قيل:

قَدْ تُنْكِرُ العَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ * وَيُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ المَاءِ مِنْ سَقَمِ

فالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم لا يعلم الغيبَ إلَّا ما علَّمه الله، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ ـ ٢٧]، فقد يُطلع الله أنبياءَه على شيءٍ مِن الغيب مِن أجل إقامة الحجَّة على الخَلْق، وتكون معجزةً لهذا الرَّسول(١٨).

وغيرُ خافٍ على اللبيب تناقُضُ المُحاضِر الحقود، إذ كان قد وجَّه سهامَ النقد مِن قبلُ للسلفية فيما زَعَمه مِن عدم تعميمهم حُسْنَ الظنِّ على كبراء الصوفية وعظمائها، وشدَّد لومَه عليهم حينَ قَصَروه على مَن هُو أهلٌ له، ومنعُوه ممَّن لا يستحقُّه ـ وهو منهم سدٌّ لِبَابِ هدم الدين وأُسُسه بغطاء جيِّد الأدبِ وحسنِه ـ ثمَّ ها هو ذَا يقعُ في شرور صنائعه ـ ولا يحيق المكرُ السيِّئُ إلَّا بأهله ـ فيستثني ـ لشدَّة حنقه ـ ابنَ تيمية وابنَ القيِّم ـ رحمهما الله ـ وجميعَ أعلام السنَّة ممَّا استحسَنه مِن قبلُ ودَعَا إليه مِن تعميم حسن الظنِّ كفًّا للقتال وطرحًا للنزال. وإذِ الحالُ كذلكَ فيُوجَّهُ له السؤالُ نفسُه، ماذا لو قال ابنُ عربيٍّ الكلامَ نفسَه أو البسطاميُّ أو ابنُ الفارض أو العفيف التلمساني؟ فلِمَ لم يُعامِلِ ابنَ تيمية ـ رحمه الله ـ كتعامله مع البوصيري في «بُرْدته» لمَّا لوَّى كلامَه الكفريَّ الباطل وكساهُ ثوبَ الحقِّ بتعسُّفٍ ظاهرٍ وتكلُّفٍ مصطَنعٍ، ولله درُّ القائل:

لَا تَلُمِ المَرْءَ عَلَى فِعْلِهِ * وَأَنْتَ مَنْسُوبٌ إِلَى مِثْلِهِ

مَنْ ذَمَّ شَيْئًا وَأَتَى مِثْلَهُ * فَإِنَّمَا يُزْرِي عَلَى عَقْلِهِ

وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

(١) انظر: «الصواعق المرسلة» لابن القيِّم (٤/ ١٢١٦).

(٢) «مدارج السالكين» لابن القيِّم (٢/ ٤٥٨).

(٣) أخرجه البخاري (٣٤٦٩)، ومسلم (٢٣٩٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) «شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة» (٧/ ١٣٩١).

(٥) «جامع الأصول» (٨/ ٦٠٩).

(٦) «البداية والنهاية» (١٤/ ٢٨).

(٧) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنسٍ رضي الله عنه. وليس فيه جملة: «لا إله إلا أنت». وحسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٤٤٩).

(٨) أخرجه أبو داود (٥٠٩٠) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. وليس فيه جملة: «ولا إلى أحدٍ مِن خَلْقِك». وحسَّنه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٣٨٨).

(٩) «الاستغاثة» (٦٣١).

(١٠) انظر: «النهاية» لابن الأثير (٣/ ٤٢٨).

(١١) يُنقل عن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه أنه دخل عليه رجلٌ مِن الصَّحابة وقد رأى امرأةً في الطَّريق، فتأمَّل محاسنَها، فقال له عثمان: «يدخل عليَّ أحدُكم وأثرُ الزِّنا ظاهرٌ على عينيه؟!» فقلت: «أوحيٌ بعد رسول الله؟!» فقال: «لا، ولكن تَبْصِرةٌ وبرهانٌ، وفِرَاسَةٌ صادقةٌ» [«الروح» لابن القيِّم (٢٤٠)].

(١٢) «الردُّ على الفلاسفة» (٤٧٥).

(١٣) «الطبقات الكبرى» للشعراني (١/ ١٢٧).

(١٤) المصدر السابق (١/ ١٥٥)

(١٥) المصدر السابق (١/ ١٥٧).

(١٦) المصدر السابق (٢/ ٨٦).

(١٧) المصدر السابق (٢/ ١٣٠).

(١٨) انظر: «تحفة الأنيس شرح عقيدة التوحيد للإمام ابن باديس ـ رحمه الله ـ» للشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ (١٢٥).