شروط التكفير
 الناشر : admin11 قسم:مقالات

شروط التكفير :-

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ــ رحمه الله تعالى ــ كما في “مجموع الفتاوى والرسائل”(3/52- 55 قسم العقيدة، وطبعة: دار الثريا)

الكفر حكم شرعي مرده إلى الله ورسوله فما دل الكتاب والسنة على أنه كفر فهو كفر، وما دل الكتاب والسنة على أنه ليس بكفر فليس بكفر، فليس على أحد بل ولا له أن يكفر أحداً حتى يقوم الدليل من الكتاب والسنة على كفره.
وإذا كان من المعلوم أنه لا يملك أحد أن يحلل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله، أو يوجب ما لم يوجبه الله تعالى إما في الكتاب أو السنة، فلا يملك أحد أن يكفر من لم يكفره الله إما في الكتاب وإما في السنة.
ولا بد في التكفير من شروط أربعة:
الأول:ثبوت أن هذا القول أو الفعل أو الترك كفر بمقتضى دلالة الكتاب أو السنة.
الثاني:ثبوت قيامه بالمكلف.
الثالث:بلوغ الحجة.
الرابع:انتفاء مانع التكفير في حقه.
فإذا لم يثبت أن هذا القول أو الفعل أو الترك كفر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، فإنه لا يحل لأحد أن يحكم بأنه كفر، لأن ذلك من القول على الله بلا علم وقد قال الله تعالى(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
وقال:( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ).
وإذا لم يثبت قيامه بالمكلف فإنه لا يحل أن يُرمى به بمجرد الظن لقوله تعالى:( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )الآية.
ولأنه يؤدي إلى استحلال دم المعصوم بلا حق.
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ـــ رضي الله عنهما ـــ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ)هذا لفظ مسلم.
وعن أبي ذرٍ ـــ رضي الله عنه ـــ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:( لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ)أخرجه البخاري، ولمسلم معناه.
وإذا لم تبلغه الحجة فإنه لا يحكم بكفره لقوله تعالى( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ).
وقوله تعالى:( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ).
وقوله تعالى( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ (إلى قوله) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا).
وقوله تعالى:( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه -أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال:( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ).
لكن إن كان مَنْ لم تبلغه الحجة لا يدين بدين الإسلام، فإنه لا يعامل في الدنيا معاملة المسلم، وأما في الآخرة فأصح الأقوال فيه أن أمره إلى الله تعالى.
وإذا تمت هذه الشروط الثلاثة أعني ثبوت أن هذا القول أو الفعل أو الترك كفر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، وأنه قام بالمكلف، وأن المكلف قد بلغته الحجة، ولكن وجد مانع التكفير في حقه فإنه لا يكفر لوجود المانع.
فمن موانع التكفير:
الإكراه، فإذا أُكره على الكفر فكفر وكان قلبه مطمئناً بالإيمان لم يحكم بكفره لوجود المانع وهو الإكراه، قال الله تعالى:( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).
ومن موانع التكفير:
أن يُغلق على المرء قصده فلا يدري ما يقول لشدة فرح أو حزن أو خوف أو غير ذلك لقوله تعالى:(وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ).
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ـــ رضي الله عنه ـــ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( الَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ).
فهذا الرجل أخطأ من شدة الفرح خطأ يَخْرج به عن الإسلام، لكن منع من خروجه منه أنه أُغْلق عليه قصده فلم يدر ما يقول من شدة الفرح، فقد قصد الثناء على ربه، لكنه من شدة الفرح أتى بكلمة لو قصدها لكفر.
فالواجب الحذر من إطلاق الكفر على طائفة أو شخص معين حتى يُعلم تحقق شروط التكفير في حقه، وانتفاء موانعه.اهـ

سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – 
هل يجوز تكفير المسلم المعين؟ وهل لذلك ضوابط وشروط أم لا؟
فأجاب بقوله: “نعم، يجوز لنا أن نطلق على شخص بعينه أنه كافر، إذا تحققت فيه أسباب الكفر، فلو رأينا رجلاً ينكر الرسالة، أو رجلاً يبيح التحاكم إلى الطاغوت، أو رجلاً يبيح الحكم بغير ما أنزل الله، ويقول: إنه خير من حكم الله، بعد أن تقوم الحجة عليه فإننا نحكم عليه بأنه كافر.
فإذا وجدت أسباب الكفر، وتحققت شروطه، وانتفت الموانع؛ فإننا نكفر الشخص بعينه، ونلزمه بالرجوع إلى الإسلام أو القتل”. أ. ه.
ويقول فضيلته أيضاً: “إذا تمت شروط التكفير في حقه جاز إطلاق الكفر عليه بعينه ولو لم نقل بذلك ما انطبق وصف الردة على أحد”(1)
ويقول فضيلته أيضاً: “للحكم بتكفير المسلم شرطان:
أحدهما: أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر.
الثاني: انطباق الحكم على من فعل ذلك، بحيث يكون عالماً بذلك، قاصداً له؛ فإن كان جاهلاً لم يكفر بذلك”(2)
__________________________
(1) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (1 / 125-124.
(2) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (1/ 126-125.