فهل يجوز تركُ الجمعة أو التناوبُ في الذهاب لمن يعملون حُرَّاسًا في مؤسَّسةٍ وطنيَّةٍ؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

ضابط إقامة الجمعة

السؤال:

أربعةُ أشخاصٍ يعملون حُرَّاسًا في مؤسَّسةٍ وطنيَّةٍ، يتعذَّر عليهم الذهابُ كلَّهم إلى الجمعة وتركُ المؤسَّسة، علمًا بأنَّ فيها عتادًا ثمينًا وأفرانًا مُشْعَلَةً باستمرارٍ. فهل يجوز لهم تركُ الجمعة أو التناوبُ في الذهاب؟ أفتونا مأجورين.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فإنَّ كُلَّ مَنْ يَشُقُّ عليه الذهابُ إلى الجمعة لعذرٍ لصيقٍ به فقدْ رخَّص الشارعُ له ترْكَ الجماعة إذا كان العذرُ قائمًا سواءً كان مَدينًا مُعْسِرًا، أو خائفًا من حَبْسٍ، أو مختفيًا من حاكمٍ، أو مريضًا يخاف زيادةَ المرض أو تأخيرَه. والعلماءُ يُلْحِقون من يقوم بتمريضه على وجهٍ لا يَسَعُ الاستغناءُ عنه. كذلك يدخل في العذر من خاف على نفسه مفسدةً أو على أمواله ضياعًا أو خَشِيَ إتلافَ الأمانات التي بحوزته والداخلةِ في حراسته، ويدلُّ عليه ما أخرجه أبو داودَ من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «مَنْ سَمِعَ المُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنِ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ -قَالُوا: وَمَا العُذْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ- لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلاَةُ الَّتِي صَلَّى»(١)، وفي روايةٍ لابن ماجه: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ»(٢).

غيرَ أنه إنْ أمكن تفادي ترك الجمعة على الجميع وَجَبَ العملُ على التفادي، كأنْ يُصلِّيَ بعضُهم في مسجدٍ قريبٍ تُقام الجمعةُ فيه في وقت الظهر عند الزوال، فللبعض الآخَرِ الصلاةُ بعد أوَّل وقت الظهر وعندئذٍ يحصل التوفيق، وإن تعذَّر ذلك وأمكن المحافظةُ على الأموال وعدمُ تعرُّضها للتلف بالواحد وجبت الجمعةُ على غيره؛ لأنَّ «المَيْسُورَ لاَ يَسْقُطُ بِالمَعْسُورِ»(٣) و«مَا لاَ يُدْرَكُ كُلُّهُ لاَ يُتْرَكُ جُلُّهُ» ويُتَدَاوَلُ في شأن المعذور. ذلك لأنَّ «المَقْدُورَ عَلَيْهِ لاَ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ المَعْجُوزِ عَنْهُ»، فعليهم أن يأتوا بما قدروا عليه ويسقط عنهم ما عجزوا عنه، إذ القاعدةُ تقول: «إِنَّ الْمُتَعَذِّرَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ وَالمُمْكِنَ يُسْتَصْحَبُ فِيهِ التَّكْلِيفُ» على ما قرَّره القرافي في «فروقه»(٤).

ومع ذلك كلِّه، فإن وجدوا عملاً آخَرَ يُتيحُ لهم إقامةَ الجمعة وشهودَ الجماعات فالواجبُ التحوُّل إليه والالتحاقُ به محافظةً على العبادات والتزامِ الطاعات.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في ١٢ رجب ١٤١٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٣ نوفمبر ١٩٩٦م

الفتوى رقم: ٤٥

الصنف: فتاوى الصلاة – صفة الصلاة

(١) أخرجه أبو داود أوَّلَ «كتاب الصلاة» بابٌ في التشديد في ترك الجماعة (٥٥١)، والدارقطني في «سننه» (١٥٧٦)، والبيهقي (٥٢٤٩)، من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه. قال الألباني في «الإرواء» (٢/ ٣٣٦): «ضعيفٌ بهذا اللفظ». وقال في «المشكاة»: «وإسناده ضعيفٌ فيه أبو جنابٍ يحيى بن أبي حيَّة الكلبي، وهو ضعيفٌ مدلِّسٌ، وقد عنعنه لكنْ صحَّ الحديث بلفظٍ آخَرَ -سيأتي في الكتاب- صحَّحه جماعةٌ وقد تكلَّمتُ عليه في «صحيح أبي داود» (٥٦٠)». وضعَّفه كذلك في [«تمام المنَّة» (ص ٣٢٧)].

(٢) أخرجه ابن ماجه في «المساجد والجماعة» باب التغليظ في التخلُّف عن الجماعة، وابن حبَّان في «الصلاة» باب فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها، والحاكم في «الصلاة» (١/ ٣٦٣)، والحديث صحَّحه الألباني في «الإرواء» (٢/ ٣٣٧)، وفي «تمام المنَّة» (ص ٣٢٧)، وفي «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٣٠١) رقم: (٤٢٦).

(٣) وهذه القاعدة من أشهر القواعد المستنبطة من قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [انظر: «الأشباه والنظائر» لابن السبكي (١/ ١٥٥)].

(٤) «الفروق» للقرافي (٣/ ١٩٨).