في حكم ذمِّ عصر الفتن وتقبيح الزمن والأيَّام
 الناشر : admin2 قسم:فتاوى

في حكم ذمِّ عصر الفتن وتقبيح الزمن والأيَّام

السؤال:

يقوم بعضُ الناسِ ـ فيما نسمعه ـ بذمِّ عصر الفتن وتقبيحِ أيَّامِها السود؛ فهل هذا يُنافي التوحيدَ أم لا؟ أفيدونا جزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمَنْ سبَّ الوقتَ وقبَّح الزمنَ وذمَّ الدهرَ فقَدْ سبَّ الفاعلَ وهو اللهُ تعالى؛ فالأيَّامُ والسِّنُون ليسَتْ مَحَلًّا للسبِّ والتقبيح؛ لأنها ليسَتْ هي التي أَوْجَدَتْ ما يكرهه السابُّ، وإنما هي مِنْ مخلوقات الله تعالى ومفعولاتِه، وفي حديثِ أبي هريرة المتَّفَقِ عليه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ: يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ: بِيَدِيَ الأَمْرُ: أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»(١)، وفي روايةٍ لمسلمٍ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ»(٢)، والمرادُ ﺑ: «وَأَنَا الدَّهْرُ» أي: مدبِّرُ الدهرِ ومصرِّفُه بإرادته سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، ما شاءَ اللهُ كان وما لم يَشَأْ لم يكن.

فمَنْ سبَّ الوقتَ وقبَّح الأيَّامَ والشهورَ والسنينَ فقَدْ آذى اللهَ سبحانه وتعالى؛ لأنه سبحانه هو الذي أَوْجَدَ ما يكرهه العبدُ ويتألَّم به، واللهُ تعالى يتأذَّى ببعضِ أفعالِ عبادِه وأقوالهم التي فيها إساءةٌ في حقِّه، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَيْسَ أَحَدٌ ـ أَوْ: لَيْسَ شَيْءٌ ـ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ؛ إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ»(٣)؛ فالأَذِيَّةُ لله ثابتةٌ لأنَّ الله أَثْبَتَها لنَفْسِه كما في الحديثَيْن السابقَيْن وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٥٧﴾ [الأحزاب]، ولكنَّها ليسَتْ كأَذِيَّةِ المخلوق؛ لقوله تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١﴾ [الشورى]، والأذيَّةُ ـ وإِنْ كانَتْ ثابتةً لله تعالى ـ فإنه سبحانه لا يتضرَّر بذلك؛ لأنَّ الله تعالى لا يضرُّه شيءٌ، قال سبحانه: ﴿وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡ‍ٔٗا ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، وفي الحديث القدسيِّ: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي»(٤).

والواجب على أهلِ الإيمان حُسْنُ الظنِّ بالله ـ إذا أصابهم ما يكرهون ـ وأَنْ يحمدوا اللهَ على كُلِّ حالٍ، ويرضَوْا بقضاءِ الله وقَدَرِه، ويعلموا أنَّ ما أصابهم إنما هو بسببِ الذنوب والمعاصي، وعليهم أَنْ يرجعوا إلى الله بالتوبة والإنابة، ويصبروا على ما حَلَّ بهم مِنْ مَصائِبَ، ويحتسبوا أَجْرَها عند الله تعالى.

وجديرٌ بالتنبيه: أنه لا يدخل في بابِ سبِّ الوقت أو ذمِّ الزمنِ أو تقبيحِ الدهر وصفُ السنينَ بالشدَّة والأيَّامِ بالنحس إذا ما وُصِفَتْ بأوصاف الشدَّةِ والنحس وغيرِهما بالنظر إلى الناس لا إليها، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَاد ﴾ [يوسف: ٤٨] أي: شِدادٌ عليهم، وفي قوله تعالى: ﴿فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ ١٩﴾ [القمر] أي: نحسٍ على الناس، أمَّا الأيَّامُ والسنونَ فليس لها مِنَ الأمر شيءٌ؛ إذِ الأمرُ كُلُّه لله.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٦ شعبان ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ أغسطس ٢٠٠٧م

 

(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «تفسير القرآن» باب: ﴿وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] (٤٨٢٦)،ومسلمٌ في «الألفاظ مِنَ الأدب وغيرِها» (٢٢٤٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) في «الألفاظ مِنَ الأدب وغيرِها» (٢٢٤٦) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه البخاريُّ في «الأدب» باب:لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ (٦١٨٢) بلفظ: «وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ…».

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» باب الصبر على الأذى (٦٠٩٩)،ومسلمٌ في «صفة القيامة والجنَّة والنار»(٢٨٠٤)، مِنْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه.

(٤) أخرجه مسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة» (٢٥٧٧) مِنْ حديثِ أبي ذرٍّ الغِفاريِّ رضي الله عنه.