ما حكمِ تركِ جماعة المسجد للمَشَقَّة؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في حكمِ تركِ جماعة المسجد للمَشَقَّة

السؤال:

رجلٌ عنده دكَّانٌ للموادِّ الغذائية، ويُخْرِج بعضًا مِنْ سِلْعتِه مِنَ الدكَّانِ كصناديقِ الفواكه وغيرِها، ويحصل له نوعٌ مِنَ المَشَقَّةِ إِنْ أَخْرَجَها وأَدْخَلَها عند كُلِّ صلاةٍ؛ فهل يجوز له أَنْ يتركَ أحَدًا يَخْلُفه ليُدْرِكَ الجماعةَ، أم له عُذْرٌ في تركِها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فعلى مذهبِ مَن يُوجِبُ صلاةَ الجماعةِ على الأعيان إلَّا لعذرٍ ويَشْترطُ المسجدَ لها، فإنَّ الحكمَ يختلف باختلافِ ما إذا كان المسجدُ بقُرْبٍ منه أم بعيدًا عنه:

  • فإِنْ كان بعيدًا عنه بحيث لا يسمع النداءَ فإنه لا تجب عليه الجماعةُ في المسجدِ لحديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ»، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَأَجِبْ»(١)؛ فيَدُلُّ ظاهِرُه ـ بمفهومه ـ على أنَّ مَن لم يسمعِ النداءَ لا تجب عليه الجماعةُ.
  • أمَّا إذا كان يسمع النداءَ:

ـ فإمَّا أَنْ يَخشى ضياعَ سِلْعتِه إِنْ تَرَكَها، أو يجدَ وسيلةً لإدخالِ سِلْعتِه مِن غيرِ عناءٍ ولا نَصَبٍ، فإِنِ استعمل للسلعةِ التي يُخْرِجُها إلى الرصيفِ وسيلةَ جَرٍّ بعَجَلاتٍ ووَضَعَ سِلَعَه عليها بحيث إذا أَذَّنَ المؤذِّنُ أَمْكَنَه جَرُّها إلى الداخلِ وإغلاقُ الأبوابِ؛ فإنْ تَمَكَّنَ مِن فعلِ ذلك لم يَبْقَ له عذرٌ في بقائه في الدُّكَّان ولا أَنْ يَسْتَخْلِفَ غيرَه فيه.

ـ أمَّا إذا تَعذَّرتْ عليه الوسيلةُ وخَشِيَ ضياعَ مالِه، وإِنْ أَدْخَلَ السلعةَ في الدُّكَّانِ فقَدْ يفوته الوقتُ فالواجبُ عليه ـ والحالُ هذه ـ أَنْ يُحافِظَ على العصرينِ (صلاةِ العصرِ، وصلاةِ الصبحِ) مع الجماعةِ، لحديثِ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه قال: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ فِيمَا عَلَّمَنِي: «وَحَافِظْ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ»، قَالَ: قُلْتُ: «إِنَّ هَذِهِ سَاعَاتٌ لِي فِيهَا أَشْغَالٌ؛ فَمُرْنِي بِأَمْرٍ جَامِعٍ إِذَا أَنَا فَعَلْتُهُ أَجْزَأَ عَنِّي»، فَقَالَ: «حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ»، وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا فَقُلْتُ: «وَمَا الْعَصْرَانِ؟» فَقَالَ: «صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا»(٢)، فإِنْ وَصَلَ وقتُ العصرِ أَدْخَلَ هذه السلعةَ ولا يَسْتَخْلِفُ إلَّا في أوقاتٍ أخرى غيرِها؛ إذِ الخطابُ إذا لم يَتحقَّقْ مع الاثنينِ تَحقَّقَ مِنْ واحدٍ؛ جريًا على قاعدةِ: «الْمَعْسُورُ لَا يُسْقِطُ الْمَيْسُورَ».

علمًا أنه يُباحُ التخلُّفُ عن شهود صلاة الجماعة عند وجودِ أعذارٍ مُرخِّصةٍ لتَرْكِها كالمطر والوحَلِ والبَرْدِ الشديد والمرضِ والخوف والحاجة العارضة، ونحوِ ذلك ممَّا يُسبِّبُ المَشَقَّةَ والحَرَجَ، وهو مدفوعٌ بنصِّ قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖ﴾ [الحج: ٧٨]، وقولِه تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١ جمادى الأولى ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٨ جوان ٢٠٠٥م

الفتوى رقم: ٦٢

الصنف: فتاوى الصلاة – صلاة الجماعة

(١) أخرجه مسلمٌ في «المساجد» (٦٥٣) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود في «الصلاة» بابٌ في المُحافَظة على وقت الصلوات (٤٢٨) مِن حديث فَضالةَ بنِ عُبَيْدٍ الليثيِّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١٨١٣) و«صحيح الجامع» (٣١٢٢).