ما حكم اصطفاف الصبيِّ غيرِ المميِّز في الصلاة؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في حكم اصطفاف الصبيِّ غيرِ المميِّز في الصلاة

السؤال:

يَعْمِدُ بعضُ المُصَلِّين إلى اصطحابِ بَنِيهم وبناتِهم إلى المسجد، وغالبًا ما يكون سِنُّهم ما بين سنتين إلى سِتِّ سنواتٍ، وإذا أُقيمَتِ الصلاةُ يصطفُّ الابْنُ أو البنتُ مع والدَيْهما في صفِّ الرجال، فهل هذا جائزٌ؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالصبيُّ إذا بَلَغَ سَبْعَ سنينَ ـ وهو بدايةُ سِنِّ التمييز على الأصحِّ ـ فإنه تصحُّ مُصافَّتُه مع الرجال؛ لأنه مأمورٌ بالصلاة في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ»(١)(٢)، وقد صلَّى ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخَذَ برأسِه وجَعَلَه عن يمينِه(٣)، وإذا كانَتْ إمامةُ الصبيِّ تصحُّ إذا كان أَحْفَظَ مِن غيرِه لكتابِ اللهِ تعالى ـ كما ثَبَتَ في حديثِ عمرِو بنِ سَلِمَةَ رضي الله عنه، فقَدْ أمَّ الناسَ وهو ابنُ سبعِ سنينَ(٤) ـ فإنَّ مُصافَّتَه تصحُّ مِنْ بابٍ أَوْلَى.

فإِنْ كان دون سِنِّ التمييزِ فهو غيرُ مأمورٍ بالصلاة، ولا يقطع الصفَّ في الصلاة؛ لمكانِ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه قال: «فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَاليَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ»(٥). والظاهرُ مِنْ لفظِ: «اليتيم» في الحديث أنه الصغيرُ، و«اليُتْمُ في الناسِ: فَقْدُ الصبيِّ أباه قبل البلوغ»(٦)، مِنْ غيرِ تفريقٍ بين مميِّزٍ وغيرِ مميِّزٍ، ولا يُصارُ إلى خلافِه إلَّا بدليلٍ، قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «وفيه أنَّ الصبيَّ يَسُدُّ الجَناحَ»(٧).

وأمَّا إلحاقُ الصبيِّ غيرِ المميِّزِ بالسارية، أو بِمَنْ لا تصحُّ صلاتُه كالكافر، أو المرأةِ مع الرجال؛ فهو قياسٌ ظاهِرُ الفَرْقِ بين العاقل والجماد، والمسلمِ والكافرِ، والذَّكَرِ والأنثى.

وأمَّا الصبيَّةُ ففي كلا الحالتين، مميِّزةً كانَتْ أو غيرَ مميِّزةٍ، فلا تصحُّ مُصَافَّتُها مع الرجال لاختلافِ الجنس، وهي تقطع الصفَّ لأنَّ وجودَها وعَدَمَها سواءٌ.

فإنْ كان وليُّ الصبيَّةِ مضطَرًّا إلى استصحابِها لصلاةِ الجماعة فلها أن تُصَلِّيَ معه في أحَدِ طَرَفَيِ الصفِّ يمينًا أو شِمالًا، فيجعلُها كآخِرِ فردٍ في السلسلة لئلَّا تقطعَ الصفَّ، وقد صلَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو حاملٌ أُمامةَ بنتَ زينبَ رضي الله عنهما على عاتِقِه(٨) حتَّى يعلمَ الناسُ أنَّ مِثْلَ هذا العملِ سائغٌ في الصلاةِ عند الاضطرار والحاجة.

وعلى كُلٍّ، فإنِّي لا أعلم دليلًا يقضي ببطلانِ الصلاة في الحالات السابقة بسببِ الإخلال بتسويةِ الصفوف أو عدَمِ ترتيبها.

هذا، وجديرٌ بالتنبيه أنَّ الصبيَّ غيرَ المميِّزِ إذا ظَهَرَ منه عَبَثٌ وطيشٌ أو تصرُّفٌ مُؤْذٍ في المسجد فالأَوْلَى إبقاؤُه في بيته مع أهله وذويه لأنه غيرُ مأمورٍ بالصلاة أوَّلًا، ويتأذَّى بعَبَثِه وتشويشِه المُصَلُّون ثانيًا، والأصلُ رَفْعُ الضَّرَرِ وإزالةُ الأذى؛ لعمومِ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(٩) ما لم يُضْطَرَّ وليُّه إلى استصحابه معه؛ فإنه يُسْتَدَلُّ له بحديثِ حَمْلِه صلَّى الله عليه وسلَّم لِأُمامةَ بنتِ زينبَ رضي الله عنهما(١٠).

أمَّا إذا خَلَتْ تصرُّفاتُ الصبيِّ مِنْ عَبَثٍ وتشويشٍ فإنه يجوز إدخالُه المسجدَ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رأى الحسنَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما وهو على المنبر فقال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»(١١)، ولِما رواه النسائيُّ وأحمدُ مِنْ طريقِ عبدِ اللهِ بْنِ شدَّادٍ عن أبيه شدَّادِ بْنِ الهادِ رضي الله عنه قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا»، قَالَ أَبِي: «فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ»، قَالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي؛ فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ»»(١٢)، وقد استُدِلَّ بهما على جوازِ إدخالِ الصبيانِ المساجدَ.

وأمَّا حديثُ: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ»(١٣) فلا ينتهض للاحتجاج به؛ لشدَّةِ ضَعْفِه كما بيَّنه الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ(١٤).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ مِن ذي القعدة ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ١٧ أكتوبر ٢٠١٠م..

الفتوى رقم: ١٠٧٦

الصنف: فتاوى الصلاة – صلاة الجماعة

 

(١) أخرجه أبو داود في «الصلاة» باب: متى يُؤْمَر الغلامُ بالصلاة؟ (٤٩٥) مِن حديث عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه النوويُّ في «الخلاصة» (١/ ٢٥٢)، وصحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٣/ ٢٣٨)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ٢٦٦).

(٢) انظر مسألةَ الأمر بالصلاة في الفتوى رقم: (١٠٤٩) الموسومة ﺑ: «في صفة الأمر في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مُرُوا أولادَكم بالصلاة ..»».

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «العلم» بابُ السَّمَرِ في العلم (١١٧)، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٧٦٣)، مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه البخاريُّ في «المغازي» بابُ مَن شَهِدَ الفتحَ (٤٣٠٢).

(٥) أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» بابُ الصلاة على الحصير (٣٨٠)، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٦٥٨).

(٦) «النهاية» لابن الأثير (٥/ ٢٩١).

(٧) «نيل الأوطار» للشوكاني (٤/ ٩٠).

(٨) أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» باب: إذا حَمَلَ جاريةً صغيرةً على عُنُقه في الصلاة (٥١٦)، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥٤٣)، مِن حديث أبي قَتادة رضي الله عنه.

(٩) أخرجه ابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَن بنى في حقِّه ما يضرُّ بجاره (٢٣٤١) مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. قال النوويُّ في الحديث رقم: (٣٢) مِن «الأربعين النووية»: «وله طُرُقٌ يَقْوى بعضُها ببَعْضٍ»، وقال ابنُ رجبٍ في «جامع العلوم والحِكَم» (٣٧٨): «وهو كما قال»، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ٤٠٨).

(١٠) سبق تخريجه، انظر: الهامش رقم: (٨).

(١١) أخرجه البخاريُّ في «الصلح» بابُ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للحسن بنِ عليٍّ رضي الله عنهما: «إِنَّ ابْنِي هَذَا…» (٢٧٠٤) مِن حديث أبي بكرة رضي الله عنه.

(١٢) أخرجه النسائيُّ في «صفة الصلاة» باب: هل يجوز أن تكون سجدةٌ أَطْوَلَ مِن سجدةٍ؟ (١١٤١) مِن حديث شدَّادِ بنِ الهاد رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صفة الصلاة» (١٤٨).

(١٣) أخرجه ابنُ ماجه في «المساجد» بابُ ما يُكْرَهُ في المساجد (٧٥٠) مِن حديثِ واثلةَ بنِ الأسقع رضي الله عنه.

(١٤) انظر: «إرواء الغليل» (٧/ ٣٦٢) و«ضعيف الجامع» (٢٦٣٦) كلاهما للألباني.