ما حكم البناء في الصلاة لمن انتقض وضوؤه؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

ما حكم البناء في الصلاة لمن انتقض وضوؤه؟

السـؤال:

إذا خرج المصلي من الصلاة لانتقاض وضوئه، أو لتذكره أنه على غير طهارة، ثمُّ رجع، فهل يبني على ما سبق من صلاته، أو يستأنفها من جديد؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فهذه المسألةُ مبنيةٌ على حديثين ظاهرهما التعارضُ، فالأولُ حديثُ أبي بكرة رضي الله عنه عند أبي داود وابن حبان: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ صَلاَةَ الفَجْرِ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ»(١)، وفي رواية قال في أوله: «فَكَبَّرَ»، وقال في آخره: فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا»(٢)، فهذا الحديثُ يدلُّ على أنه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم انصرف بعدما دخل في الصلاة وكبَّر، ويعارضه ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ، فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ»(٣)، فهذه الرواية تدلُّ دلالة صريحة على أنه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم انصرف بعدما قام في مُصلاَّه، وتذكر أنه على جنابة قبل أن يكبر، وهي مستفادة -أيضًا- من زيادة مسلم: «قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَانْصَرَفَ»(٤)، وفي رواية البخاري في آخره: «فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ»(٥).

واختلف العلماء في هذه المسألة بناء على اختلاف مسالكهم:

– فمن رجَّح روايةَ أبي بكرة رضي الله عنه؛ لأنها زيادة حافظٍ يجب قَبولُها، وأنها تفيد فائدةً جديدةً وهي التكبير في أوَّلِ الصلاة، والإشارة إليهم أن امكثوا ولم يتكلم، قال بالبناء عملاً بقاعدة «المُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي».

– ومن سلك الجمعَ بين الدليلين قال: يحمل «كبَّر» في حديث أبي بكرة رضي الله عنه على أنه أراد أن يكبر بأن تهيَّأَ للإحرام بالصلاة، ولم يُحْرِمْ بالتكبير جمعًا بين الحديثين بحمل الحقيقة على المجاز، فهذه الصورة الأولى للجمع، أمَّا الصورة الثانية فهي حمل الحديثين على أنهما واقعتان، وهذا ما أبداه عياض والقرطبي(٦)، وقال النووي: «إِنَّهُ الأَظْهَرُ»(٧)، فإن تعذَّر الجمع فيجب تقديمُ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه لوروده في الصحيحين ترجيحًا بالرِّواية، إذ يُرجَّح المسنَد من كتابٍ موثوقٍ بصِحَّته على المسنَد إلى كتابٍ غيرِ مشهورٍ بالصِّحة كسُنن أبي داود ونحوه من كتب السنن.

وعليه، فإنه يستأنف صلاته ولا يبني على ما صنع من صلاته وهو على غير طهارة.

قلت: ويؤيِّد هذا القولَ قولُه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ»(٨)، والمراد بنفي القَبول في الحديث نفيُ صِحَّة الفعل بغير طهارة، وتكبيرة الإحرام ركنٌ من أركان الصلاة، وبناء الصلاة عليها من غير طهارة غير مجزئة عملاً بمقتضى الحديث.

هذا، والمثبِت مُقدَّمٌ على النافي على مذهب الجمهور، لاشتماله على زيادةِ علمٍ، إنما يكون إذا لم يستند النافي إلى عِلم بالنفي، أمَّا إذا صَرَّح الراوي بنفي التكبير -كما تقدَّم في زيادة مسلم- فقد استند النافي إلى علم بالعدم، فاستوت -والحال هذه- صورة الإثبات مع النفي، ولا ترجيحَ بينهما، وإنما يُطلَب مُرجِّحٌ من جهةٍ أخرى.

أمَّا حملُ الحديثين على واقعتين فإنَّ صورة التعارض تبقى قائمةً، وإحدى الواقعتين تنافي مقتضى ما تضمَّنه الحديث من عدم صِحَّة الصلاة بغير طهارة، فإمَّا أن تكون واقعةُ أبي هريرة رضي الله عنه متأخِّرةً عن واقعة أبي بكرة رضي الله عنه وناسخةً لها لتعضيدها بما تقرَّر إجماعًا على عدم صِحَّة الصلاة بغير طُهور، أو يُصار إلى الترجيح، فقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مُقدَّمٌ على فِعله.

والجمع التوفيقي إنما يكون بانتفاء صورة التعارض، وهو يتجلى في الجمع بحمل «التكبير» في حديث أبي بكرة رضي الله عنه على إرادة التكبير، وبه تجتمع الأدلة وتتوافقُ، وهو أَوْلى من الترجيح، وإلاَّ فما ثبت في الصحيحين أصحُّ، وما ثبت من قوله فأحقُّ أن يُقدَّم.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٥ ربيع الثاني ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١١/ ٠٤/ ٢٠٠٨م

(١) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الطهارة، باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناس: (٢٣٣)، وابن حبان في «صحيحه»: (٢٢٣٥)، وأحمد في «مسنده»: (٢٠٤٧٧)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. والحديث صححه النووي في «الخلاصة»: (٢/ ٦٩٦)، والألباني في «صحيح أبي داود»: (٢٣٣).

(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الطهارة، باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناس: (٢٣٤)، وأحمد في «مسنده»: (٢٠٤٣٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٤٩٣٠)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود»: (٢٣٤)، والوادعي في «الصحيح المسند»: (١١٩٠).

(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الأذان، باب هل يخرج من المسجد لعلة: (٦١٣)، ومسلم في «صحيحه» كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة: (١٣٦٧)، وأحمد في «مسنده»: (٨٢٦١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة: (١٣٦٧)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الغسل، باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو: (٢٧١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٦) «فتح الباري» لابن حجر: (٢/ ١٢٢)، «شرح الزرقاني على الموطأ»: (١/ ٩٩)، «عون المعبود» للمبارك فوري: (١/ ٣٩٦).

(٧) «شرح مسلم» للنووي: (٥/ ١٠٣).

(٨) أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة: (٥٣٥)، والترمذي في «سننه» كتاب الطهارة، باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور: (١)، وأحمد في «مسنده»: (٤٦٨٦)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء: (٥٩)، والنسائي في «سننه» كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء: (١٣٩)،  وأحمد في «مسنده»: (٢٠١٨٥)، من حديث أسامة الهذلي رضي الله عنه.