ما حكم الصلاة وراء الفاسق؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في حكم الصلاة وراء الفاسق

السـؤال:

عندنا في مدينة «البرواقية» ثلاثة مساجد، صلينا الجمعة في مسجدٍ فقام إمامُه عند الخطبة برمي الشباب السُّنِّي السلفي بكلامٍ فاحشٍ، قال: «إنهم كالفيروس ويضعون أخشابًا في أفواههم، فلا تتركوهم يجمعون معكم التبرعات..»، ويعادي أهل السُّنَّة ويمقتهم، ونحن قمنا بهجره، ولا نصلي وراءه، ونرى أنَّ الصلاة لا تجوز وراءه، هل هذا صحيح ؟ أفيدونا أفادكم الله، والله يحفظك يا شيخنا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصلُ أنَّ الفاسق لا يُولَّى الإمامةَ ردعًا له عن فِسقه وفجوره، فإن لزم الأمر وفرض إمامًا فلا يكون مخالفًا لمضمون قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي المَسْجِدِ الَّذِي يَلِيهِ وَلاَ يَتَتَبَّعِ المَسَاجِدَ»(١) من تخطَّاه إلى غيره من المساجد لجواز الانتقال حال كون الإمام يلحن في صلاته، أو يُرمى ببدعة، أو يعلن بفجور كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٣/ ١٤٨).

ومن صَلَّى خلف الإمام الفاسق فصلاته صحيحةٌ ولا تعاد لما رواه مسلم وغيره من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: «قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ»(٢)، ولا يخفى أنَّ مَن أمات الصلاة بإخراجها عن وقتها المحدَّد لها شرعًا فهو غيرُ عدلٍ، ومع ذلك أذن بالصلاة خلفهم وجعلها نافلة، ومن ذلك -أيضًا- قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»(٣)، فقد أجاز النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم الصلاة خلف هؤلاء الأئمة مع صدور الخطإ منهم والإساءة، لكن خطؤهم وإساءتهم قاصرة عليهم دون المأمومين، فضلاً عن كون القياس يقتضيه، فكما تصحُّ الصلاة إذا صَلَّى لنفسه فتصحُّ لغيره، وإذا صحَّت إمامته صحَّت صلاة من صلى خلفه.

هذا، وقد ورد أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يُصلِّي خلف الحَجَّاج بن يوسف الثقفي(٤)، وقد كان الحجاج فاسقًا، ولم يرد أنَّ ابن عمر أعاد صلاته ولا أعاد واحدٌ من الصحابة ممَّن صَلَّى خلفه، فكان ذلك إجماعًا على صِحَّة الصلاة خلف الفاسق، وقد بَوَّب البخاري في «صحيحه»: «باب إمامة المفتون والمبتدع، وقال الحسن: صلِّ وعليه بدعته»(٥)، وقال الشوكاني في «السيل الجرار»: «وإذا عرفت هذا فلا تحتاج إلى الاستدلال على جواز إمامة الفاسق في الصلاة، ولا إلى معارضة ما يستدلُّ به المانعون، فليس هنا ما يصلح للمعارضة وإيراد الحُجَج، وبيان ما كان عليه السلف الصالح من الصلاة خلف الأمراء المشتهرين بظلم العباد والإفساد في البلاد»(٦).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.

الجزائر في: ٨ شعبان ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ١٢ سبتمبر ٢٠٠٥م

الفتوى رقم: ٢٨٥

الصنف: فتاوى الصلاة – صلاة الجماعة

 

(١) أخرجه الطبراني (٣/ ١٩٩/ ٢)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٤٥٦)، وفي «السلسلة الصحيحة» (٥/ ٢٣٤).

(٢) أخرجه مسلم في «المساجد ومواضع الصلاة» (١/ ٢٩٠) رقم (٦٤٨)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاري في «الصلاة» (١/ ١٦٩) باب إذا لم يُتمّ الإمام وأتمّ من خلفه، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٣٥٥) واللفظ له.

(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ١٥٢)، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (٢/ ٣٠٣).

(٥) (١/ ١٦٩).

(٦) «السيل الجرار» للشوكاني (١/ ٢٤٧).