ما حكم بناءِ مسجدٍ في مقبرةٍ قديمةٍ للمسلمين بعد إزالةِ القبور كُلِّيَّةً منها؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

بناء المسجد في المقبرة

السؤال:

عَزَمَ بعضُ أهالي بلادِ القبائل على بناءِ مسجدٍ في مقبرةٍ قديمةٍ للمسلمين بعد إزالةِ القبور كُلِّيَّةً بما في ذلك رُفاتها بطريقِ الآلة الجارفة، بدعوى أنَّ المقبرة تتوسَّط كُلَّ القُرى المُجاوِرةِ فينتفي الحَرَجُ عنها جميعًا، علمًا أنه تُوجَد قطعةٌ أخرى بقُرْبِ تلك المقبرةِ صالحةٌ لهذا المشروعِ، فما حكمُ الشرعِ فيما هم عازمون عليه؟ وما نصيحتُكم وتوجيهُكم؟

أَفْتونا مأجورين، وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ ـ وفَّقَني اللهُ وإيَّاكم ـ أنه لا يجتمع في دينِ اللهِ مسجدٌ وقبرٌ، وقد ورَدَتِ الأحاديثُ النبويةُ الصحيحةُ الصريحةُ في النهي عن اتِّخاذِ المساجدِ على القبور، وتلعن اليهودَ والنصارى الذين اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مَساجِدَ وتُحذِّر ممَّا صنعوا، وهذا الحكمُ ثابتٌ مُقرَّرٌ إلى يومِ الدِّين، فمِنْ هذه الأحاديثِ الشريفة: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»(١)، تقول عائشةُ رضي الله عنها: «يُحَذِّرُ مِثْلَ الَّذِي صَنَعُوا»(٢)، وفي روايةِ جندبِ بنِ عبدِ اللهِ البَجَلِيِّ أنَّه سَمِعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبل أن يموتَ بخمسٍ يقول: «…أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»(٣)؛ ففيه دليلٌ وَاضِحٌ على ذَمِّ مَنْ يفعلُ فِعْلَهم مِنْ هذه الأُمَّةِ؛ إذِ «الاِعْتِبَارُ بِالمَعْنَى لَا بِالاِسْمِ»؛ وهذا سدًّا لذريعةِ الشِّركِ وقطعًا للسُّبُل المؤدِّيَة إلى عبادةِ مَنْ فيها كما حَصَلَ مع عبادةِ الأصنام؛ إذ لا يخفى أنَّ النهيَ عن ذلك إنَّما هو للخوف على الأُمَّةِ مِن الوقوع فيما وقَعَتْ فيه اليهودُ والنصارى وغيرُهم مِن وَصْفِ الشرك اللاحق بمَن عصى اللهَ تعالى وارتكب النهيَ واتَّبع الهوى ولم يَعِ معنى: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».

ومِنَ الأحاديثِ ـ أيضًا ـ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ»(٤).

والمتمعِّنُ في هذه الأحاديثِ يُدْرِكُ تحريمَ هذا الاتِّخَاذِ المذكور بجميعِ مَعانيه، سواءٌ اتِّخاذ القبور مَساجِدَ للسجود عليها أو إليها أو استقبالها بالصلاة والدعاء، وبناء المساجد عليها وقَصْدِ الصلاة فيها، وهذا الفعلُ لا شكَّ أنه مِن الكبائر؛ إذ لا يمكن أن يكونَ اللعنُ الواردُ في النصِّ فضلًا عن وَصْفِهم بشرارِ الخَلْقِ عند اللهِ تعالى إلَّا في حقِّ مَنْ يقترف ذنبًا عظيمًا وإثمًا كبيرًا.

وقد أَجْمَعَ العلماءُ على النهي عن البناء على القبور وتحريمِه ووجوبِ هَدْمِه؛ فالطارئُ منهما على الآخَرِ يُزال، أي: الحكمُ للسابق: فلو طَرَأَ القبرُ على المسجدِ أُزِيلَ القبرُ، ويُزال المسجدُ إن كان طارئًا على القبر لكونه لم يُبْنَ على تقوى مِن اللهِ ورضوانٍ.

ولو وُضِعَ وَقْفًا لَبَطَلَ الوقفُ ولم تَصِحَّ الصلاةُ فيه إن قَصَدَ فيها القبورَ والتبرُّكَ بها كما يعتقده معظمُ العوامِّ وبعضُ الخواصِّ؛ لِلَعْنِ مَنْ فَعَلَ ذلك وتحريمِ الصلاةِ فيها، و«النَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ المَنْهِيِّ عَنْهُ» كما تقرَّر في أصول الشريعة؛ إذ لا يخفى أنَّ بناءَ المساجدِ على القبور ليس مقصودًا بذاته، وإنَّما مقصودُه الصلاةُ فيها؛ فالنهيُ عن الوسيلةِ يستلزم النهيَ عن المقصودِ بها والمتوسَّلِ بها إليه.

أمَّا إذا لم يتقصَّدِ الصلاةَ فيها مِنْ أجلِ القبر، وإنَّما وَقَعَ اتِّفاقًا فحُكْمُها الكراهةُ عند الجمهور، خلافًا للإمام أحمد الذي يحكم ببطلانها لأجلِ النهي واللعنِ الواردِ في ذلك، ولكونها ذريعةً إلى الشركِ بالله بتقصُّدِ المسجدِ لأجلِ القبور ودعائهم والدعاءِ بهم والدعاءِ عندهم.

ولعلَّ هذا القولَ أَحْسَمُ لمادَّةِ الشركِ وأَقْطَعُ لسبيله باجتنابِ الصلاةِ في المسجد المبنيِّ بين القبور مُطْلقًا وعلى كُلِّ حالٍ، سواءٌ كان القبرُ خَلْفَه أو عن يمينه أو عن يساره، وأَقْبَحُ مِن ذلك ما كان أمامَه، عملًا بمبدإِ سَدِّ الذَّرائعِ وتحريمِ الوسائل إليها، وتركِ الشُّبُهات والاحتياطِ للدِّينِ، خشيةَ الوقوعِ في المحذور لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثِ أبي عبد الله النعمانِ بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما: «… فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ»(٥)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»(٦)، وقد رُوِيَ عنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّه قال: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَدَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الْحَلَالِ لَا أَخْرِقُهَا»، وما ذلك إلَّا أسوةً بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حيث يقول: «إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا»(٧)؛ فرَضِيَ اللهُ عن سَلَفِنا الصالحِ؛ فقَدِ اجتنبوا المعاصِيَ وابتعدوا عن الشُّبُهات، واستبرأوا لدينِهم تمامَ البراءة.

ثمَّ اعْلَمْ ـ هَدَاني اللهُ وإيَّاكم ـ أنَّ الثابتَ إجماعًا عدَمُ جوازِ نَبْشِ قبورِ المسلمين وإخراجِ الموتى منها للانتفاع بالأرض أو البناءِ عليها حفاظًا على كرامةِ الميِّت وحُرْمتِه لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ كَسْرَ عَظْمِ المُؤْمِنِ مَيْتًا مِثْلُ كَسْرِهِ حَيًّا»(٨)، إلَّا إذا وُجِدَ مسوِّغٌ مقبولٌ وسببٌ شرعيٌّ يقتضي نَبْشَ القبور.

وبناءُ المساجدِ على القبورِ ليس سببًا مسوِّغًا للقيامِ بهذا الفعلِ، والتعليلُ بتوسُّطِ المقبرةِ كُلَّ القرى ليس هو الآخَرُ مبرِّرًا شرعيًّا كافيًا لِما عُلِمَ مِنَ النصوصِ المتقدِّمة مِن عدَمِ اجتماعِ مسجدٍ وقبرٍ في دينِ الإسلام، والأسبقيةُ للأَوَّلِ ويُهْدَمُ الثاني، فضلًا عن وجودِ مَحَلٍّ لبناءِ هذا المسجدِ خارجًا عن المقبرة.

وعليه يَتَّضِحُ عدَمُ مشروعيةِ ما هم عازمون على الإقدام عليه، واللهُ المستعان.

أمَّا النصيحةُ المقدَّمةُ فأكتفي بنَقْلِ ما ذَكَرَه الشيخُ العلَّامةُ عبدُ الحميد بنُ باديسَ ـ رحمه الله ـ بعد ما أَوْرَدَ الآياتِ القرآنيَّةَ التي تأمر باتِّباع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وتنهى عن مُخالَفته، قال ـ رحمه الله ـ: «نسأل كُلَّ مؤمنٍ بهذه الآياتِ أن يعملَ بنهيِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن البناءِ على القبر؛ فلا يَبْنِ على القبر ولا يُعِنْ بانيًا، ويُعْلِنُ هذا الحديثَ في الناس، ويذكِّرُهم به، ولا يفتأ يَقْرَعُ به أسماعَ الغافلين، ويفتح به أَعْيُنَ الجاهلين، ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩﴾[العنكبوت]»(٩).

وقال ـ رحمه الله ـ في موضعٍ آخَرَ: «فيا أيُّها المؤمنون بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، المصدِّقون لحديثه، إيَّاكم والبناءَ على القبور، إيَّاكم واتِّخاذَ المساجدِ عليها إن كنتم مؤمنين، وعليكم تبليغَ هذا الحديثِ والتذكيرَ به والتكريرَ لذِكْرِه؛ يَكُنْ لكم أجرُ المُجاهِدين في سبيلِ ربِّ العالَمين وثوابُ العامِلين لإحياءِ سُنَّةِ سَيِّدِ المرسلين، عليه وعليهم الصلاةُ والسلامُ أجمعين»(١٠).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الفتوى رقم: ٧٤

الصنف: فتاوى الصلاة – المساجد

 

(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» بابُ ما جاء في قبر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما (١٣٩٠)، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥٢٩)، مِن حديث عائشة رضي الله عنها.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» بابُ الصلاة في البِيعةِ (٤٣٥)، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥٣١)، مِن حديث عائشة وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم.

(٣) أخرجه مسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥٣٢) مِن حديث جندب بنِ عبد الله البَجَليِّ رضي الله عنه.

(٤) أخرجه ابنُ خُزَيمة (٧٨٩)، وابنُ حِبَّان (٦٨٤٧)، وابنُ أبي شيبة في «المصنَّف» (٢٧٢)، وأحمد (٣٨٤٤، ٤١٤٣)، مِن حديث عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه. والحديث حَسَّنه الألبانيُّ في «تحذير الساجد» (ص ١٩)، والفقرةُ الأولى منه في البخاريِّ في «الفتن» بابُ ظهور الفِتَن (٧٠٦٧).

(٥) مُتَّفَقٌ على صِحَّته: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ فضلِ مَن استبرأ لدينه (٥٢)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٩٩)، مِن حديث النعمانِ بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما.

(٦) أخرجه النسائيُّ في «الأشربة» باب الحثِّ على تركِ الشُّبُهات (٥٧١١)، والترمذيُّ في «صفة القيامة والرَّقائق والوَرَع» (٢٥١٨) وقال: «هذا حديثٌ صحيحٌ»، وأحمد (١٧٢٣)، والحاكم (٢١٦٩) وصحَّح إسنادَه ووافَقَه الذهبيُّ، وابنُ خزيمة (٢٣٤٨)، وابنُ حبَّان (٧٢٢)، مِن حديث الحسن بنِ عليٍّ رضي الله عنهما.

وصحَّحه الشيخ الألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ٤٤) رقم: (١٢) وفي «صحيح الجامع» (٣٣٧٧).

(٧) أخرجه البخاريُّ في «اللُّقطة» باب: إذا وَجَدَ تمرةً في الطريق (٢٤٣٢)، ومسلمٌ في «الزكاة» (١٠٧٠)، مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٨) أخرجه أبو داود في «الجنائز» بابٌ في الحَفَّار يجد العظمَ: هل يتنكَّبُ ذلك المكانَ؟ (٣٢٠٧)، وابنُ ماجه في «الجنائز» بابٌ في النهي عن كَسْرِ عظامِ الميِّت (١٦١٦)، والطَّحاويُّ في «مُشْكِل الآثار» (٢/ ١٠٨)، وأحمد (٢٤٣٠٨)، مِن حديث عائشة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ٢١٣) رقم: (٧٦٣).

(٩) «آثار ابنِ باديس» (٢/ ١٥٣).

(١٠) انظر المزيدَ مِن التفصيلِ في رسالتنا الموسومة ﺑ: «الجواب الصحيح في إبطالِ شُبُهاتِ مَن أجاز الصلاةَ في مسجدٍ فيه ضريحٌ».