ما حكم تارك العمل بالكلِّيَّة مع القدرة؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

ما حكم تارك العمل بالكلِّيَّة مع القدرة؟

 

السؤال:

هل يُعتبر التارك للعمل بالكلِّيَّة مع القدرة مسلمًا؟ وفي حالة ما إذا لم يُعتبر مسلمًا: فما توجيهُ حديث الشفاعة وفيه أنَّ الله «يُخْرِجُ مِنْهَا -أي: النار- قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ..»(١)، وفيه قال: «هَؤُلاَءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلاَ خَيْرٍ قَدَّمُوهُ»(٢)؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فعلماء السنَّة يقرِّرون أنَّ حقيقة الإيمان الشرعيِّ مركَّبةٌ من قولٍ وعملٍ، وأنَّ القول قسمان:

– قول القلب: وهو تصديقُه وإقرارُه ومعرفته، وأصل القول هو التصديق الجازم بكلِّ ما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

– وقول اللسان: وهو الإقرار بالله وبما جاء مِن عنده، والشهادة لله بالتوحيد ولرسوله بالرسالة ونحو ذلك، وقول اللسان ناشئٌ من قول القلب وهو أصلُه.

أمَّا العمل فعلى قسمين:

– عمل القلب: وهو المحبَّة والتعظيم والخوف والرجاء والإنابة والإخلاص والتوكُّل ونحو ذلك من الأعمال القلبية التي يوجبها التصديقُ والاعتقاد، وهو أصل العمل.

– عمل الجوارح: وهي أفعال سائر الجوارح من الطاعات والواجبات وسائر أعمال التطوُّع التي يُستَحَقُّ بفعلها اسمُ زيادة الإيمان، والأفعال المنهيُّ عنها التي يُستحقُّ بفعلها نقصانُ الإيمان، فعملُ الجوارح ينشأ مِن عمل القلب وهو أصلُه.

فهذه الأربعة: أجزاءٌ في الإيمان وهي أركانُه التي يقوم عليها بناؤه، ومنه يُعلم أنَّ جنس عمل الجوارح هو مِن حقيقة الإيمان وليس شرطًا فقط، فالإيمان هو اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ لا يصحُّ بها إلاَّ مجتمعةً، فلا يجزي التصديق بالقلب والمعرفة إلاَّ أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزئ معرفة القلب ونطقُ اللسان حتى يكون عملُ الجوارح، فإذا كَمُلَتْ فيه هذه الخصالُ الثلاث كان مؤمنًا، والفرق بين أهل السنَّة وبين الخوارج والمعتزلة أنهم -وإن كانوا يقرِّرون أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقادٌ- إلاَّ أنَّ الإيمان عندهم يزول بزوال العمل مطلقًا بخلاف أهل السنَّة، ففيه مِن الأعمال ما يزول الإيمان بزواله، سواءٌ كان فعلاً كالسجود للصنم والوثن والذبحِ لغير الله والبول على المصحف ونحو ذلك، أو كان تركًا كترك الشهادتين أو جنسِ العمل اتِّفاقًا، أو تركِ الصلاة على اختلافٍ بين أهل السنَّة، وعلى الراجح منها فإنَّ الترك المطلق للصلاة هو الذي يدخل في باب الترك الذي يزول الإيمانُ بزواله لا مطلقُ الترك.

والعمل -في هذا القسم- شرطٌ في صحَّته.

وفيه مِن العمل ما ينقص الإيمانُ بزواله ولا يزول كلِّيًّا، أي: يبقى معه مطلقُ الإيمان لا الإيمانُ المطلق مثل ارتكاب الذنوب واقترافِ المحارم مِن غير استحلالٍ لها، والعمل -في هذا القسم- شرطٌ في كماله، فأهل السنَّة لم يجعلوا كلَّ الأعمال شرطًا في الصحَّة -كما هو شأن الخوارج والمعتزلة-، بل جعلوا كثيرًا منها شرطًا في كماله.

وعليه فإنَّ الإيمان مركَّبٌ مِن أجزاءٍ -كما تقدَّم-، والأعمال داخلةٌ في حقيقة الإيمان ومسمَّاه، وخُلُوُّ إيمان القلب الواجبِ مِن جميع أعمال الجوارح ممتنِعٌ وغيرُ متصوَّرٍ، فكما لا يكون إسلامٌ بلا إيمانٍ ولا يكون إيمانٌ بلا إسلامٍ؛ فلا يُقبل قولٌ بلا عملٍ ولا يُقبل عملٌ بلا قولٍ، ذلك لأنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، وهما قرينان لا ينفع أحدهما إلاَّ بالآخَر.

أمَّا الاستدلال بحديث الشفاعة وفيه: «فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ..» وقوله: «هَؤُلاَءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلاَ خَيْرٍ قَدَّمُوهُ»، فالجواب على هذه الشبهة مِن وجهين:

– إمَّا بحمل الخير المنفيِّ في الحديث على نفي التمام والكمال كما قاله ابن خزيمة -رحمه الله-(٣)، بمعنى: أنهم لم يعملوا خيرًا قطُّ على التمام والكمال، ومثل هذا الأسلوب اللغويِّ مِن جنس كلام العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصٍ عن الكمال والتمام، فالعرب تقول للصانع إذا لم يستحكم عملَه جيِّدًا: ما صنعتَ شيئًا ولا عملتَ شيئًا، فكان النفيُ الواقع على جودة العمل لا على نفي الصنعة في حدِّ ذاتها، فالصانع عاملٌ بالاسم وغيرُ عاملٍ بالجودة والإتقان، وهم يقصدون هذا المعنى الأخير(٤).

وممَّا يؤيِّد ذلك -من السنَّة- جملةٌ من الأحاديث منها: قصَّةُ الرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا ثمَّ كمَّل المائةَ بالعابد الذي أعلمه أنْ لا توبة له، وفيه أنَّ ملائكة العذاب قالت: «إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ»، والمعلوم أنَّ الرجل سارع إلى التوبة وبحث عن مخرجٍ له في أرض الصالحين واجتهد في إدراكها، وهذه أعمالٌ صالحةٌ، ولهذا قالت ملائكة الرحمة: «جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ»(٥)، ففُهم -والحال هذه- أنَّ الرجل كان مسرفًا على نفسه في المعصية حتى لم يُذكر له مع هذا الإسراف خيرٌ قطُّ، وهو الذي عَنَاه ملائكةُ العذاب.

وقد ورد في أحاديثَ أخرى في الشفاعة أنَّ الله يأمر ملائكتَه بأن يُخْرِجوا مِن النار مَن كان لا يُشرك بالله شيئًا ممَّن أراد اللهُ أن يرحمه ممَّن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، إذ لا يبقى من أجسامهم شيءٌ لا تأكلُه النار إلاَّ موضعَ السجود، وفيه: «وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ» الحديث(٦)، وسياقُ الحديث يبيِّن أنَّ آخر أهل النار دخولاً الجنَّةَ تعرفه الملائكةُ بأثر السجود، فهو يدلُّ على أنهم كانوا يُصَلُّون وهي مِن أعظم الأعمال التي عليها مدارُ صحَّة الأعمال وفسادِها.

– وإمَّا بحمل الخير المنفيِّ في الحديث على أعمال الجوارح الظاهرة في حالاتٍ معيَّنةٍ أو مخصوصةٍ كعدم تمكُّن العبد من أداء الفرائض -من أركان الإسلام- كمن آمن بقلبه وشهد بلسانه فاخترمه الموتُ قبل التمكُّن من العمل، أو كحال بعض شرار الخَلْق آخرَ الزمان حين يفشو الجهلُ ويندرس الدينُ ونحوِ ذلك.

إذن فمقتضى الحديث: «فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ..» ليس على عمومه في كلِّ مَن ترك العملَ وهو يستطيع فِعْلَه، وإنما يُحْمَل على الخير المنفيِّ مِن جهةِ تمامه وكماله، أو مِن جهةِ عدمِ تمكُّنه مِن أدائه لعذرٍ مَنَعه مِن العمل، أو لغير ذلك من المعاني التي تتوافق مع النصوص الآمرة المُحْكَمة، وما استقرَّ عليه إجماعُ السلف مِن أنَّ العمل داخلٌ في حقيقة الإيمان ومسمَّاه.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٨ شوَّال ١٤٣٤ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٥ أوت ٢٠١٣م

 

الفتوى رقم: ١١٦٥

الصنف: فتاوى العقيدة – أركان الإيمان – مسائل الإيمان

(١) أخرجه مسلم في «الإيمان» (١٨٣) من حديث أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه.

(٢) أخرجه البخاري في «التوحيد» بابُ قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٧٤٣٩)، ومسلم في «الإيمان» (١٨٣)، من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه.

(٣) انظر: «التوحيد» لابن خزيمة (٢/ ٧٣٢).

(٤) انظر: «الإيمان» لأبي عبيد (٩٠).

(٥) أخرجه مسلم في «التوبة» (٢٧٦٦)، من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه.

(٦) أخرجه مسلم في «الإيمان» (١٨٢٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.