ما حكم صلاة الجمعة في المنفى، والقصر فيه للمدَّة الطويلة؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

ما حكم صلاة الجمعة في المنفى، والقصر فيه للمدَّة الطويلة

السؤال: بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ، والصّلاةُ والسّلامُ على سيّدِنا محمّدٍ وعلى آلِه وصحبِه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدّينِ، وبعدُ:

نضع بين أيديكم شيوخَنا الأفاضلَ هذه الأسئلةَ والاستفساراتِ التي نريد من سيادتِكم الإجابةَ عليها بالأدلّةِ الشّرعيّةِ.

– نريد أن نضعَ سيادتَكم في الواقعِ الذي نعيش فيه، وهو أنّه لا يخفى عليكم بأنّنا قُمْنا منذ حوالَيْ (٣٠) سنةً في أرضِ اللّجوءِ، وقُمْنا بتأسيسِ وزاراتٍ، وجميعِ هياكلِ الدّولةِ، من برلمانٍ، وجيشٍ، ودركٍ، وشرطةٍ، وجماركَ، وبناءِ المستشفياتِ والمدارسِ ومحطّاتِ البثِّ الإذاعيِّ، ومراكزِ الهاتفِ ومحطّةِ تلفزةٍ محلّيّةٍ، وبناءِ الأسواقِ ودُورِ الشّبابِ، ومراكزِ الإنترنت، وبناءِ بعضِ المزارعِ التي تُشْرِف الدّولةُ عليها، وانتشار حركةِ التّجارةِ بيننا وبين الجزائرِ وموريتانيا، وقد استتبّ الأمرُ منذ أن تمّ توقيفُ إطلاقِ النّارِ الذي أشرفتْ عليه الأممُ المتّحدةُ سنةَ (١٩٩١م)، وللعلمِ فإنّ أهْلَ المنطقةِ يفتقدون إلى أهلِ العلمِ، وفي المدّةِ الأخيرةِ قامتِ الدّولةُ ببناءِ بعضِ المساجدِ وتمّ إقامةُ صلاةِ الجمعةِ فيها، وهي الخطوةُ التي لاقتْ تجاوُبًا كبيرًا مِنَ الشّعبِ، ولكنْ تَفَاجَأْنا ببعضِ الشّيوخِ الذين يُعارِضون بناءَها بحجّةِ عدمِ الاستيطانِ، مع العلمِ بأنّ جميعَ مرافقِ الحياةِ قد تمّ بناؤُها كما ذُكِرَ ولم يعترضوا عليها، وللعلمِ فإنّ أغلبَ الدّعمِ نتلقّاه من المنظَّماتِ الأوروبيّةِ.

– ولذا نريد من سيادتِكم بيانَ الحكمِ الشّرعيِّ في إقامةِ هذه الشّعيرةِ العظيمةِ التي لا يستقيم أمرُ جماعةِ المسلمين دون إقامتِها.

– وما هو حُكْمُ من يَقْصُرُ الصّلاةَ منذ (٣٠) سنةً، ولا يصوم شهْرَ رمضانَ مع العلمِ أنّ حالَه كما ذُكِرَ في السّؤالِ السّابقِ؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين أمّا بعد:

فمِنَ المعلومِ شرعًا أنّ صلاةَ الجمعةِ مُجْمَعٌ على فرْضيَّتِها عينًا على المسلمِ البالغِ المقيمِ القادرِ على السّعيِ لها الخالي من الأعذارِ المبيحةِ للتّخلُّفِ عنها، ومِنْ أهلِ الأعذارِ ممّن يُرَخَّصُ لهم في التّخلّفِ عنها: المسافرُ ولو كان نازلاً وقْتَ إقامتِها؛ فإنّ أكثرَ أهلِ العلمِ على القولِ بعدمِ وجوبِها عليه؛ لأنّ النّبيَّ صلّى الله عليه وآلِه وسلّم كان يُسافر فيصلّي الظّهرَ والعصرَ جمْعَ تقديمٍ جماعةً ولم يُصَلِّ جُمُعَتَه، غيرَ أنّ النّازلين بالمنفى المدّةَ الطّويلةَ أشبهُ بالمقيمين المستوطنين بالنّظرِ إلى عدمِ قدرتِهم على الرّجوعِ إلى بلدِهم حالَ رغبتِهم في الانتقالِ إليه، فضلاً عن طبيعةِ سكنِهم والاستقرارِ به المتجلِّي في تعميرِ منطقتِهم بالمرافقِ الضّروريّةِ التي يحتاج إليها المقيمُ، فهم في حكمِه، ويشهد لذلك فعلُ عثمانَ بنِ عفّانَ رضي الله عنه لمّا تأهَّل صلّى بمنًى أربعَ ركعاتٍ، وإذا تقرّرتْ إقامتُهم وجب عليهم أداءُ هذه الشّعيرةِ الإسلاميّةِ الخالدةِ وهي صلاةُ الجمعةِ، حيث أُمِرُوا بأدائِها والتّجميعِ لها حتّى في القرى وما دونها من أماكنِ التّجمّعِ لقولِ عُمَرَ بنِ الخطّابِ رضي الله عنه عندما سُئِلَ عن الجمعةِ فكتب إليهم: «جَمِّعُوا حَيْثُ كُنْتُمْ»(١)، وروى ابنُ أبي شيبةَ بسندٍ صحيحٍ عن مالكٍ أنّه قال: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ يُجَمِّعُونَ»(٢)، وهذا ما يوافق النّصوصَ الشّرعيّةَ العامّةَ الآمرةَ بإقامتِها والمحذِّرةَ مِنْ تركِها كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]، وقولِه صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ»(٣)، وضِمْنَ هذا المنظورِ يقول شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ رحمه الله: «فإنَّ كلَّ قومٌ كانوا مستوطِنين ببناءٍ متقارِبٍ لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفًا تُقام فيه الجمعةُ إذ كان مبنيًّا بما جَرَتْ به عادتُهم مِنْ مَدَرٍ وخشبٍ أو قصبٍ أو جريدٍ أو سعفٍ أو غيرِ ذلك، فإنّ أجزاءَ البناءِ ومادّتَه لا تأثيرَ لها في ذلك، إنّما الأصلُ أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهلِ الخيامِ والحللِ الذين ينتجعون في الغالبِ مواقعَ القطرِ، ويتنقلون في البقاعِ، وينقلون بيوتَهم معهم إذا انتقلوا وهذا مذهبُ جمهورِ العلماء»(٤).

– أمّا السّؤالُ الثّاني فهو متفرِّعٌ عنِ المسألةِ السّابقةِ، فإنّ المستوطِنَ في غيرِ بلدِه إن حطّ رحْلَه فيه ومسكنِه مطمئِنًّا فهذا مُقيمٌ لا يُشْرَعُ القصرُ له لأنّ العبرةَ في السّفرِ والإقامةِ بطبيعةِ السّكنِ والاستقرارِ به لا بالمدّةِ، وبناءً عليه فإنّ على من كان يقصرُ الصّلاةَ إتمامَها، وعلى من أفطر رمضانَ قضاءَ أيّامِه.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمّـد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين و سلم تسليما.

الجزائر في: ٢٦ من المحرَّم ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٧ مارس ٢٠٠٥م

الفتوى رقم: ٦٠

الصنف: فتاوى الصلاة – الجمعة

 

(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (٥٠٦٨)، قال الألبانيّ في [«الضّعيفة» (٣١٨/ ٢)]: «إسناده صحيح على شرط الشّيخين».

(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (٥٠٧١)، وانظر «تمام المنّة» للألباني (٣٣٢).

(٣) أخرجه مسلم في «الجمعة» (٨٦٥) من حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم.

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة: (٢٤/ ١٦٦).