ما حكم صلاة العيد في مدرستين يفصل بينهما طريقٌ عموميٌّ؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

حكم صلاة العيد في مدرستين يفصل بينهما طريقٌ عموميٌّ

السؤال:

بالنظر إلى اكتظاظِ المصلِّين، فهل تُشْرَع صلاةُ العيدِ بمدرسةٍ بجوار المسجد يُصلِّي فيها الرجالُ وأخرى تصلِّي فيها النساءُ يَفْصِل بينهما طريقٌ عموميٌّ مع بقاءِ المسجد خاليًا، والاعتقادُ قائمٌ في أنَّ السُّنَّةَ صلاةُ العيد في المصلَّى؟ فهل تصحُّ الصلاةُ وصفوفُ المُصلِّين مجذوذةٌ بطريقٍ عموميٍّ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالأصل جوازُ اقتداءِ المأمومِ بالإمام ولو كان بينهما حائلٌ إذا عَلِم المقتدي انتقالاتِ إمامه برؤيةٍ أو سماعٍ، ويُعضِّد هذا الأصلَ فِعْلُ أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه صَلَّى على ظَهْرِ المسجدِ بصلاةِ الإمام، وفِعْلُ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه أَنَّه كان يُجَمِّعُ في دارِ أبي نافعٍ عن يمينِ المسجد بصلاةِ الإمامِ ويأتمُّ بالإمامِ مع سكوتِ الصَّحابة على فعلِه(١).

وهذا إنَّما يُحْمَل على الحاجةِ والعذرِ توفيقًا بينه وبين الأمرِ الواردِ بوَصْلِ الصفوف وسَدِّ الفُرَجِ في جملةٍ مِن الأحاديثِ الثابتةِ في هذا الموضوع، ومِن تلك الأعذارِ المُوجِبةِ لفِعْلِ الصحابةِ امتلاءُ المسجدِ واشتدادُ الزحام؛ فلا يُصَفَّ أو يُصَلَّ خارِجَ المسجدِ مع عدَمِ امتلائه؛ لذلك صَلَّى هشامٌ وأبوه عروةُ بصلاةِ الإمام في دارٍ عند مسجدٍ قد امتلأ بينهما طريقٌ(٢).

وفي هذا المعنى يقول شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «بل إذا امتلأ المسجدُ بالصفوف صَفُّوا خارِجَ المسجد، فإذا اتَّصلَتِ الصفوفُ حينئذٍ في الطُّرُقاتِ والأسواق صحَّتْ صلاتُهم، وأمَّا إذا صَفُّوا وبينهم وبين الصفِّ الآخَرِ طريقٌ يمشي الناسُ فيه لم تصحَّ صلاتُهم في أَظْهَرِ قولَيِ العلماء، وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوفِ حائطٌ بحيث لا يرَوْن الصفوفَ ولكِنْ يسمعون التكبيرَ مِن غيرِ حاجةٍ؛ فإنه لا تصحُّ صلاتُهم في أَظْهَرِ قولَيِ العلماء، وكذلك مَن صَلَّى في حانوته والطريقُ خالٍ لم تَصِحَّ صلاتُه، وليس له أن يقعد في الحانوتِ وينتظرَ اتِّصالَ الصفوف به، بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيَسُدَّ الأَوَّلَ فالأوَّلَ»(٣).

قلتُ: لو لم يَكُنِ الْتزامُ الصفِّ وسَدُّ الفُرَجِ واجبًا إلَّا مِن عُذْرٍ لَصحَّتِ الصلاةُ وراءَ الإذاعةِ المسموعة والمرئيَّة، وهذا خلافُ ما عليه الفتوى الشرعية.

أمَّا عن صلاته صلَّى الله عليه وسلَّم للعيد فإنَّما كانَتْ في المصلَّى(٤) وهو الصحراءُ أو الفضاءُ خارِجَ البلدِ القريبِ منه عُرْفًا، ولم يَثْبُتْ عنه أنه أدَّاها في المسجد. وبناءً عليه فالسنَّةُ عند الجمهورِ أن يكون مَوْضِعُ أدائها المُصلَّى لا المسجدَ إلَّا مِن ضرورةٍ أو عُذْرٍ، ما عدا مكَّةَ فالأفضلُ أداؤها في الحَرَمِ المَكِّيِّ لشَرَفِ المكان، وهذا خلافًا للشافعية الذين يرَوْن أنه إذا كان المسجدُ ضَيِّقًا فالسنَّةُ أن تُصلَّى في المصلَّى، وإن كان واسعًا فالأفضلُ الصلاةُ في المسجد.

ولا يخفاك أنَّ العلماء إنما اختلفوا في الأفضليةِ في هذين الموضعين دون ما سواهما، وإيقاعُ صلاةِ العيد داخِلَ المدرسةِ خارجٌ عن الموضعَيْن السابقَيْن؛ إذ لا يُطْلَق ـ فيما أَعْلَمُ ـ اسْمُ المصلَّى بالمعنى العرفيِّ على ساحةِ المدرسة ولا على فِنائها.

وعليه فإنَّ الصلاةَ ـ بهذا الاعتبارِ ـ تُكْرَه لعدَمِ وقوعها على الوجه المطلوب شرعًا، بل قد لا تصحُّ للعدول عن المسجد وإخلائه عن المُصلِّين والانتقالِ بهم إلى المدرستين اللَّتَيْن بجواره، فضلًا عن انقطاعِ الصفِّ بالطريق العموميِّ.

ولذلك ينبغي أن تُؤدَّى الصلاةُ في المصلَّى لِفِعْلِه صلَّى الله عليه وسلَّم إن أمكن، فإن تعذَّر أُدِّيَتْ في المسجد، وإن ضاقَتْ وخرجَتِ الصفوفُ عنه فيُسَدُّ الأَوَّلُ فالأَوَّلُ ولو وَصَلُوا إلى المدرستين أو تَجاوَزُوهما؛ فإنَّ الصلاةَ ـ بهذا الاعتبارِ ـ صحيحةٌ لا غُبَارَ عليها.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ جمادى الأوَّل ١٤١٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٦ سبتمبر ١٩٩٦م

الفتوى رقم: ١٠

الصنف: فتاوى الصلاة – العيد

 

(١) انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (٤/ ١٠٤).

(٢) «مصنَّف عبد الرزَّاق» (٤٨٨٥)، ولفظه: «جِئْتُ أَنَا وَأَبِي مَرَّةً فَوَجَدْنَا المَسْجِدَ قَدِ امْتَلَأَ؛ فَصَلَّيْنَا بِصَلَاةِ الإِمَامِ فِي دَارٍ عِنْدَ المَسْجِدِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ».

(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٣/ ٤١٠).

(٤) للشيخ الألبانيِّ رسالةٌ في سُنِّيَّةِ العيد في المُصلَّى فراجِعْها.