ما حكم نَزْعِ الملكية لإقامة مسجدٍ؟ وما صحَّةِ الصلاة فيه؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في حكم نَزْعِ الملكية لإقامة مسجدٍ
وصحَّةِ الصلاة فيه

السؤال:

شيخَنا الفاضلَ، إليكم معطياتِ قضيَّةِ مسجدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ بقرية «رمضان جمال» ولاية «سكيكدة»:

أوَّلًا: نَلْفِتُ انتباهَكم إلى وضعيةِ هذه الدائرة؛ إذ غالِبُ أراضيها مِلْكيَّةٌ خاصَّةٌ؛ ولذا يُضْطَرُّ ولاةُ الأمور لانتزاعها مِن أجلِ المَصالِحِ العمومية مثلِ الطريق العامِّ والسُّوقِ والمُسْتوصَفِ وبعضِ البنايات؛ فهذه المؤسَّساتُ مبنيَّةٌ على أراضٍ أُخِذَتْ مِن أصحابها، علمًا بأنَّ بعضَهم لم يَرْضَ ومنهم المَعْنِيُّ صاحِبُ الأرض؛ إذِ انْتُزِعَتْ منه قطعةٌ أخرى وعُوِّضَ لكنَّه لم يَرْضَ بذلك، وكان التعويضُ بقطعتَين أرضيَّتين في مِلْكِه فقَبِلَ رغمًا عن أَنْفِه.

ثانيًا: المشكلةُ بدأَتْ سنةَ (١٩٨٧م) حيث قَرَّر ولاةُ الأمور انتزاعَ ملكيَّةِ المَعْنِيِّ للقطعة الأرضيَّة المقدَّرةِ ﺑ (٦.٩ هكتار) مُقابِلَ مبلغٍ ماليٍّ قَدَّرَتْه مَصالِحُ تقويمِ أملاكِ الدولةِ بالسعرِ المرجعيِّ للدولة للمصلحة العامَّة.

المعنيُّ رَفَضَ الأخذَ ابتداءً وطَعَنَ في الحكم عند مَحْكمة الدولة التي حكمَتْ مجدَّدًا بنفسِ المبلغ تعويضًا، لكنَّهم طعنوا مَرَّةً أخرى ليستقِرَّ الحكمُ على التعويض الماليِّ المذكور.

في سنة (١٩٩٤م)، تمَّ تحويلُ الأرضيَّة إلى مسجدٍ كبيرٍ جامعٍ وطنيٍّ، وجُعِلَتْ وقفًا لوزارة الشؤون الدِّينية، وبما أنَّ المسجد قد فُرِغَ مِن طابقه السفليِّ ودَخَلَه مُصلُّون كثيرون، وأصبحَتْ تُقام فيه الجمعةُ والجماعاتُ؛ أشكلَتْ علينا قضيَّةُ الصلاة فيه: هل هي جائزةٌ أم باطلةٌ؟ لانقسامنا إلى قائلٍ: إنها مغصوبةٌ لعدَمِ رضا صاحِبِها، وقائلٍ: إنها ليسَتْ كذلك نظرًا لفتوى المَجْمَع الفقهيِّ، علمًا بأنَّ جميعَ شروطه محقَّقةٌ.

ثالثًا: قد قامَتِ البلديةُ بعد جهودٍ جبَّارةٍ مِن المواطنين بإشرافِ لَجْنَةِ المسجدِ وإمامِها في إطارٍ غيرِ رسميٍّ بمحاوَلةِ إعطائه قطعةَ أرضٍ يرضى بها، لكنَّ البلدية لا تستطيع ذلك لعدَمِ حيازتها لها؛ فهي تابعةٌ لمؤسَّسةٍ وطنيَّةٍ هي أملاكُ الدولة؛ ممَّا اضطرَّها إلى استبدالها بقطعةٍ أخرى في إطارٍ غيرِ رسميٍّ سعيًا منها لإخماد الفتنة؛ فعرضَتْ عليه تَبَعًا قطعةَ أرضٍ زراعيةٍ كبيرةً في آخِرِ القرية، فرَفَضَها بحُجَّةِ أنه يُريد قطعةً أرضيةً في مكانٍ تجاريٍّ؛ فعرضَتِ البلديةُ مرَّةً أخرى قطعةً أخرى داخِلَ المحيطِ العمرانيِّ صالحةً للبناء ولم يَقْبَلْها؛ لأنَّ أرضَه الأصليَّةَ (أرضَ المسجدِ) ذاتُ مكانٍ عمرانيٍّ تجاريٍّ، هذا طبعًا بالإضافة إلى المبلغ الماليِّ المذكور سالفًا.

رابعًا: بعد التحقيق في أصل ملكيَّته تبيَّن ما يلي:

  • هذه الأرضُ ـ في الأصل ـ مِلْكٌ لمعمِّرٍ فرنسيٍّ قام بمبادَلتها مع جدِّ المَعْنِيِّ مُقابِلَ قطعةٍ أخرى.
  • اشترى هذا الجدُّ قطعتَه الأصلية مِن عندِ جزائريٍّ.
  • وجرى هذا التبادلُ لتحسينِ العلاقة: نصراني ـ مسلم بمبادَلةِ المعمِّر قطعتَه (٤ هكتار) بقطعةِ الجزائريِّ (٦ هكتار) بعقودِ ملكيةٍ هي:
  • عقدُ الجزائريِّ مِن عند المَدْعُوِّ [س].
  • عقدُ الفرنسيِّ في إطارِ شراكةٍ فرنسيَّةٍ تضمُّ عِدَّةَ معمِّرين.

الأسئلة:

١ ـ هل هذه المبادَلةُ بين الجزائريِّ والفرنسيِّ شرعيَّةٌ؟ وهل العقدُ صحيحٌ؟ وهل تصحُّ شرعًا ملكيَّةُ الجزائريِّ لأرض المسجد؟

٢ ـ هل انتزاعُ وليِّ الأمر لقطعة الأرض هذه مع التعويض بدون الرِّضا يُعَدُّ غصبًا للأرضِ؟ أم أَنَّه مِن بابِ تقديمِ المصلحةِ العامَّة على المصلحة الخاصَّة؟

٣ ـ هل تجوز الصلاةُ في هذا المسجد؟

٤ ـ هل هذه المسألةُ خلافيَّةٌ؟ وهل يَسَعُ الإخوةَ المانعين والمُجيزين الخلافُ أم لا؟

بارك اللهُ فيكم وحَفِظكم اللهُ، وثَبَّتكم على طاعته.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فبعد الاطِّلاعِ على فحوى سؤالِكم المفصَّلِ، وما يحمله مِن إرادةِ معرفةِ الصوابِ في المسألة المطروحة، فأقول ـ وباللهِ التوفيقُ والسداد ـ:

إنَّ عقود الملكية، وسائِرَ التصرُّفاتِ المالية ـ مِن مبادَلاتٍ أو تنازُلاتٍ أو هِبَاتٍ وغيرِها ـ المبرَمةِ بين المسلمين وغيرِهم مِن أهل الكفر التي يُتطلَّب إثباتُها بالتوثيقات الرسمية، والتي خضعَتْ لها فعلًا، سواءٌ أكانَتْ هذه الإجراءاتُ التوثيقيةُ وقعَتْ في عهد الاستعمار الفرنسيِّ المُحْتَلِّ أو بعد جلائه مِن هذه الديار، تُعَدُّ صحيحةً لا يعتريها فسادٌ ولا يعترضُها بطلانٌ؛ ذلك لأنَّ مسألةَ استيلاءِ الكُفَّار على أموال المسلمين مَحَلُّ خلافٍ بين أهل العلم مِن ناحيةِ امتلاكهم لها: فأَثْبَتَ الأحنافُ أحقِّيةَ المِلْكِ لهم(١)، ومَنَعَ الشافعيةُ ذلك(٢)، أمَّا مذهبُ المالكيةِ فإنَّهم يَرَوْنَ أنَّ استيلاء الكُفَّار على أموال المسلمين يفيد شُبْهةَ المِلْك لا حقيقتَه(٣)، وهذا الخلافُ لا أَثَرَ له إلَّا فيمن وَجَدَ مالَه: هل يكون أحقَّ به مِن غيرِه أم لا؟ ولا يخفى أنه لا جدوى مِن ترتيبِ هذا الأثرِ في مسألتنا هذه؛ لأنَّ مالِكَها الأوَّلَ قبل استيلاءِ الكُفَّار على أرضه لا مَطْمَعَ في معرفته، هذا مِن جهةٍ.

ومِن جهةٍ أخرى فإنه لو تَقَرَّر لمثلِ هذه العقودِ حكمُ البطلانِ لَلزم إبطالُ كافَّةِ العقود والتصرُّفات التي أُجْرِيَتْ في عهدِ الاستعمار بين المسلمين والكُفَّار، وإذا كان اللازمُ باطلًا فالملزومُ مثلُه، ولا شكَّ أنَّ مِثْلَ هذا الحكمِ يتنافى مع ما ثَبَتَ في السنَّةِ مِن جوازِ هذا التعامُلِ وقد جرى به العملُ أوَّلًا، وأنَّ القضاء بالإبطال يتولَّد عنه الاضطرابُ وحصولُ الشَّغَبِ بين الناسِ لعدَمِ الاستقرار في أموالهم؛ الأمرُ الذي يُسبِّب المَشَقَّةَ والحَرَجَ، وذلك مدفوعٌ بالنصِّ.

هذا، وإذا تقرَّر صحَّةُ ملكيةِ أرضه فينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ هذه الملكيَّةَ لا تنتقل مِن يده إلى غيره إلَّا بأحَدِ العقدين:

الأوَّلُ: العقدُ الرِّضائيُّ، وهو الأصلُ في انتقالِ الملكية لاشتراط التراضي في العقود كركنٍ جوهريٍّ.

والثاني: الجبريُّ الذي تُجْرِيه السلطةُ القضائية، وهو على صفتين:

ـ الأوَّلُ: العقدُ الجبريُّ الصريحُ كبيعِ مالِ المَدينِ جبرًا نيابةً عن المالك الحقيقيِّ لوفاءِ ديونه.

ـ الثاني: العقدُ الجبريُّ المفترَضُ كالشُّفعة، فتنتقل حصَّةُ الشريك إلى الشريك بمثلِ العِوَض المسمَّى، أو كنزعِ المِلْكية للامتلاك للصالح العامِّ، وهو الذي تشهد له السنَّةُ وعَمَلُ الصحابةِ رضي الله عنهم ومَن بَعْدَهم.

وفي مثلِ هذا العقدِ لا يُشْتَرَط رضا المالك، وإنما يتمُّ جبرًا مِن السلطةِ القضائية لصاحِبِها للضرورة، أو للمصلحة العامَّة كتوسيعِ مسجدٍ أو بنائه، أو شَقِّ طريقٍ أو توسيعِها، أو إقامةِ جسرٍ ونحوِ ذلك؛ لأنَّ «الأَمْرَ إِذَا دَارَ بَيْنَ ضَرَرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَشَدُّ مِنَ الآخَرِ فَيُتَحَمَّلُ الضَّرَرُ الأَخَفُّ وَلَا يُرْتَكَبُ الضَّرَرُ الأَشَدُّ».

وتأييدًا لهذا المعنى وردَتْ جملةٌ مِن القواعد، وإن اختلفَتْ ألفاظُها فهي مُتَّحِدَةٌ في المفهوم والمعنى منها:

ـ قاعدةُ: «يُتَحَمَّلُ الضَّرَرُ الخَاصُّ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٍّ».

ـ وقاعدةُ: «إِذَا اجْتَمَعَ ضَرَرَانِ أُسْقِطَ الأَصْغَرُ لِلْأَكْبَرِ».

ـ وقاعدةُ: «الضَّرَرُ الأَشَدُّ يُزَالُ بِالضَّرَرِ الأَخَفِّ».

ـ وقاعدةُ: «يُخْتَارُ أَهْوَنُ الشَّرَّيْنِ، أَوْ أَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ».

ـ وقاعدةُ: «يُدْفَعُ الضَّرَرُ الأَعَمُّ بِارْتِكَابِ الضَّرَرِ الأَخَصِّ»، وغيرُها مِن القواعد.

واللافت للنظر ـ بعد هذا البيانِ ـ أنَّ نَزْعَ الملكية يستوجب تعويضًا عادلًا كشرطٍ لجوازه وإلَّا عُدَّ غصبًا وتعدِّيًا، ولَمَّا كان تعويضُ مالكِ الأرض إنما هو بالسعر المرجعيِّ للدولة ـ الذي يَقِلُّ عن السعر الجاري المتعامَلِ به ـ فإنه يتعذَّر على المالكِ شراءُ مثلِها لنقصانِ التعويض عن ثمنِ المثل، ولولا ما أُضِيفَ له مِن قِطَعٍ أرضيةٍ تكملةً للنقصان لَلَزِمَ الحكمُ بأنَّ الأرضَ المنزوعةَ لم تُقَابَلْ بتعويضٍ عادلٍ؛ الأمرُ الذي يصيِّرُ نَزْعَ الأرضِ اعتداءً وغصبًا.

لكنَّ رَدَّه للأراضي المعروضةِ عليه ليس مبرِّرًا يَسَعُه لدفعِ الحكمِ بحجَّةِ عدَمِ عدالةِ السعر المعطى، ولمَّا كانَتِ الشروطُ الشرعيةُ متوفِّرةً في نزعِ الملكية فلا يُحْتَجُّ بالغصب المُجْمَعِ على تحريمِه بالنصوص المتكاثِرَة.

فالحاصلُ ـ إذن ـ أنَّ نَزْعَ الملكيَّةِ للمصلحة العامَّة المتمثِّلةِ في بناءِ المسجد لحاجةِ الناس إلى مكانِ عبادةٍ يجمعهم ليس هو مِن الغصب في شيءٍ، وإنَّما هو عقدٌ جبريٌّ أَجْرَتْهُ السلطةُ القضائيةُ في استملاكِ الأرض بسعرِها العادل تحقيقًا للمصلحة العامَّة.

وعملًا بما تقرَّر في القواعدِ العامَّةِ السابقة؛ فإنَّه ينتفي عن هذا المسجدِ أدنى حالةِ غصبٍ وعدوانٍ لِمَا تقدَّم بيانُه؛ لذلك لا يجوز أن يحولَ الشكُّ والوهمُ دون إقامةِ الصلاة فيه؛ إذِ «الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِيَقِينٍ مِثْلِهِ»، ولا يجوز للقريب مِنَ المسجد أن يَعْدِلَ عنه بدعوى الغصب وينتقلَ إلى غيرِه بعدما تبيَّن له الهدى؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِهِ وَلَا يَتَتَبَّعِ المَسَاجِدَ»(٤).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الفتوى رقم: ٥٩

الصنف: فتاوى الصلاة – المساجد

 

(١) انظر: «الأشباه والنظائر» لابن مودود (٢/ ٤/ ١٣٣)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (٣/ ٢٦٠).

(٢) انظر: «المهذَّب» للشيرازي (٢/ ٢٤٣)، «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ١٨٢).

(٣) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٣٩٨)، «القوانين الفقهية» لابن جُزَيٍّ (١٥١).

(٤) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الأوسط» (٥١٧٦)، وأورده الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (٢٠٣٧) بلفظ: «وَلَا يَتْبَعِ المَسَاجِدَ»، مِن حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٤٥٦) وفي «السلسلة الصحيحة» (٢٢٠٠).