ما صحّةُ مسألةِ نقضِ الوترِ وقضاءه؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

فـي قضاء الوتر ونقضه

السـؤال:

ثبتَ عن النّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم أنّه أمر بقضاءِ الوترِ لِمَن فاته، وثبت -أيضًا- أنّه كان إذا فاته وِرْدُهُ من اللّيلِ يقضيه في النّهار بأن يُشَفِّعَه، كيف يمكن الجمعُ بين هذين الحديثين فإنْ هو قضى الوترَ -ركعةً واحدةً- وقضى ورده شفعًا، فيكون بالتّالي كمن لم يشفعْ وِرْدَه لأنّه أضاف له ركعةَ الوترِ؟ أم الأمرُ غيرُ هذا؟ وما صحّةُ مسألةِ نقضِ الوترِ؟

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فالمسألةُ المطروحةُ متعلّقةٌ بالمعذورِ، أمّا غيرُ المعذورِ فلا وِتْرَ له لقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَلاَ وِتْرَ لَهُ»(١)، ولقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: «إِنَّمَا الوِتْرُ بِاللَّيْلِ»(٢).

وهذه الأحاديثُ إنّما تُحْمَلُ على غيرِ المعذورِ لتعلُّقِ النّصوصِ الأخرى الواردةِ في مشروعيّةِ قضاءِ الوترِ وغيرِه بمن فاتتْه الصّلاةُ لعذرٍ توفيقًا بين الأدلّةِ وجمعًا بين لنّصوصِ، منها: قولُه صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: «مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ»(٣)، وبعموم قولِه صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»(٤)، وبقول عائشةَ رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُصْبِحُ فَيُوتِرُ»(٥)، وأنَّ ابنَ مسعودٍ رضي الله عنه حدّث عنِ النّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: «أَنَّهُ نَامَ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى»(٦)، فهذه النّصوصُ إنّما تدلُّ على جوازِ تأخيرِها لعُذْرٍ كما هو بَيِّنٌ من ظواهرِها، لكنّ صفةَ قضاءِ الوترِ بالنّهارِ يختلف عنِ اللّيلِ بأنْ يكونَ شفعًا لا وترًا لحديثِ عائشةَ رضي اللهُ عنها قالتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَامَ أَوْ مَرِضَ صَلَّى بِالنَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً»(٧). وعليه، فمن كانت عادتُه أن يُوتِرَ بواحدةٍ قضى مِنَ النّهارِ ركعتين، ومن كانتْ عادتُه أن يوترَ بثلاثٍ قضاها أربعًا، وبخمسٍ قضاها ستًّا وهكذا؛ لأنّ النّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم كان يُصَلِّي من الليل إحدى عشرةَ ركعةً فصَلَّى بالنّهارِ ثِنْتَيْ عشرةَ ركعةً.

أمّا الوِرْدُ فهو الوردُ من القرآنِ، المرادُ به: الحزبُ كما ثبت من حديثِ عُمَرَ بنِ الخطّابِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ»(٨).

وقيل: إنّ المرادَ بالحزبِ هو ما كان معتادَه مِنْ صلاةِ اللّيلِ، وإذا حُمِلَ على هذا المعنى فلا إشكالَ في أنْ يختمَ صلاتَه بالوترِ.

أمّا إن فاتَه الوترُ لعلّةٍ كنومٍ أو نسيانٍ أو مرضٍ فإنّه يقضيه من النّهارِ شفعًا كما تقدّم.

وأمّا المسألةُ المعروفةُ بنقضِ الوترِ بأن يضيفَ إليه ركعةً ثانيةً ويوترَ أخرى بعد التّنفّلِ شفعًا فهي ضعيفةٌ من وجهين:

١ – أحدهما: أنّ النّفلَ بواحدةٍ غيرُ معروفٍ من الشّرعِ.

٢ – والثّاني: أنّ الوترَ لا ينقلب إلى النّفلِ بتشفيعِه؛ لأنّ مَن أوتر من اللّيلِ فقد قضى وِتْرَه، فإن قام من نومِه وصَلَّى ركعةً أخرى فهي مُستقِلَّةٌ عن الأخرى فلا يصيران صلاةً واحدةً لِمَا تخلَّلَهُمَا من نومٍ وحَدَثٍ وَوُضوءٍ وكلامٍ، ويكونُ والحالُ هذه قد أوتر مرَّتين، وإذا أضاف الوترَ الأخيرَ فيكونُ موتِرًا ثلاثَ مرّاتٍ، وهذا مخالفٌ لقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: «لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ»(٩) من جهةٍ، ومخالفٌ لقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا»(١٠)، ووجهُ المخالفةِ أنّه جعل وِتْرَه في مواضعَ من صلاةِ اللّيلِ.

أمّا المنقولُ عن ابنِ عُمَرَ (١١) وعليِّ بنِ أبي طالبٍ(١٢) رضي الله عنهم من جوازِ نقضِ الوترِ بإضافةِ ركعةٍ، فإنّ الأثرين يعارضُهُما المرفوعُ من حديثِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما المتّفقِ عليه: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» و«الْعِبْرَةُ بِمَا رَوَى لاَ بِمَا رَأَى».

فالحاصلُ: أنّ كلاًّ من الشّفع والوترِ منحصِرٌ في معناه الشّرعيِّ، فإذا رعينا هذا المعنى فلا ينقلب الوترُ شفعًا؛ لأنّ الشّفعَ نفلٌ والوترَ سنّة مؤكَّدةٌ أو واجبةٌ على خلافٍ.

وإذا تقرّرتْ مرجوحيّةُ نقضِ الوترِ؛ فإنّ ما عليه أكثرُ العلماءِ جوازُ الصّلاةِ بعد الوترِ مِنْ غيرِ أن يُعيدَه وهو مرويٌّ عن أبي بكرٍ وسعدٍ وعمّارٍ وابنِ عبّاسٍ وعائشةَ(١٣) رضي الله عنهم، ويدلّ على ذلك حديثُ عائشةَ رضي الله عنها قالت: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ»(١٤)، وحديثُ أمِّ سلمةَ رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهْ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ»(١٥). وقد تقدّم حديثُ: «لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» المفيدُ لِمَنْعِ تَكرارِ الوترِ.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمّد، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ من ذي القعدة ١٤٢٧م
الموافق ﻟ: ٨ ديسمبر ٢٠٠٦م

الفتوى رقم: ٥٥

الصنف: فتاوى الصلاة – صلاة التطوُّع

(١) أخرجه ابن حبّان في «صحيحه»: (٢٤٠٨)، وابن خزيمة: (١٠٩٢)، والحاكم: (١١٥٩)، وعبد الرّزّاق في «المصنّف»: (٤٥٩١)، والطّيالسيّ في «مسنده»: (٢١٩٢)، من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الحاكم في «المستدرك» ووافقه الذّهبيّ: (١/ ٤٤١)، وصحَّحه كذلك الألبانيّ في «الإرواء»: (٢/ ١٥٤).

(٢) أخرجه الطّبرانيّ في «المعجم الكبير»: (٨٩١)، وعبد الرّزّاق في «المصنّف»: (٤٦٠٧)، من حديث معاوية بن قرّة رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألبانيّ في «السّلسلة الصّحيحة»: (١٧١٢).

(٣) أخرجه أبو داود في «الصّلاة»، أبواب الوتر: (١٤٣١)، والتّرمذيّ في «الوتر»: (٤٦٥)، وابن ماجه في «إقامة الصّلاة والسّنّة فيها»: (١١٨٨)، والدّارقطنيّ: (١٦٥٦)، والبيهقيّ: (٤٧١١)، من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، وصحّحه الألبانيّ في «الإرواء»: (٢/ ١٨٩).

(٤) أخرجه البخاريّ في «مواقيت الصّلاة»: (٥٩٧)، ومسلم في «المساجد»: (١٦٠٠)، وأبو داود في «الصّلاة»: (٤٤٢)، والنّسائيّ في «المواقيت»: (٦١٣)، والتّرمذيّ في «المواقيت»: (١٧٨)، وابن ماجه في «الصّلاة»: (٦٩٦)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(٥) أخرجه أحمد: (٢٥٥٢٧)، وعبد الرّزّاق في «مصنّفه»: (٤٦٠٣)، والبيهقيّ: (٤٦٢٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث حسّنه الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»: (٢/ ٥١١)، وصحّحه الألبانيّ في «الإرواء»: (٢/ ١٥٥).

(٦) أخرجه النّسائيّ في «المواقيت»: (٦١٢)، والبيهقيّ: (٤٦٣٧)، والبزّار في «مسنده»: (٢٠٣٠)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وصحّحه الألبانيّ في «الإرواء»: (٢/ ١٥٦).

(٧) أخرجه أبو داود في «الصّلاة»: (١٣٤٢)، والتّرمذيّ في «أبواب الصّلاة»: (٤٤٥)، وابن حبّان: (٢٦١٩)، وأحمد: (٢٤٣٨٤)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وصحّحه الألبانيّ في «صحيح أبي داود»: (١٣٤٢)، و«صحيح التّرمذيّ»: (٤٤٥).

(٨) أخرجه مسلم في «صلاة المسافرين»: (١٧٧٩)، وأبو داود في «الصّلاة» أبواب قيام اللّيل: (١٣١٣)، والتّرمذيّ في «الصّلاة»: (٥١٨)، والنّسائيّ في «قيام اللّيل وتطوّع النّهار»: (١٧٩٠)، وابن ماجه في «الصّلاة»: (١٣٤٣)، والدّارميّ: (١٥٢٩)، والبيهقيّ: (٤٧٣٧)، من حديث عمر بن الخطّاب رضي الله عنه.

(٩) أخرجه أبو داود في «الصّلاة»: (١٤٣٨)، والتّرمذيّ في «الوتر»: (٤٧٠)، والنّسائيّ في «قيام اللّيل وتطوّع النّهار»: (١٦٧٩)، وأحمد: (١٦٧٣٣)، والبيهقيّ: (٥٠٣٩)، من حديث طلق بن عليّ رضي الله عنه. وصحّحه الألبانيّ في «صحيح الجامع»: (٧٥٦٧).

(١٠) أخرجه البخاريّ في «الوتر»: (٩٩٨)، ومسلم في «صلاة المسافرين» (١٧٥٥)، وأبو داود في «الوتر»: (١٤٣٨)، وأحمد: (٤٨١٣)، والبيهقيّ: (٥٠٢٣)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

(١١) أخرجه أحمد: (٦١٥٥)، وصحّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد»: (٩/ ٣٩)، وحسّنه الألبانيّ في «الإرواء»: (٢/ ١٩٤).

(١٢) أخرجه عبد الرّزّاق في «المصنّف»: (٤٦٨٤)، وصحّحه زكريّا بن غلام قادر الباكستانيّ في «ما صحّ من آثار الصّحابة في الفقه»: (١/ ٣٩٥).

(١٣) انظر هذه الآثار وتخريجها في «ما صحّ من آثار الصّحابة في الفقه» لزكريّا بن غلام قادر الباكستانيّ: (١/ ٣٩٤-٣٩٨).

(١٤) أخرجه مسلم في «صلاة المسافرين»: (١٧٣٩)، وأبو داود في «الصّلاة»: (١٣٤٣)، والنّسائيّ في «السّهو»: (١٣١٥)، وابن ماجه في «إقامة الصّلاة»: (١١٩١)، وابن خزيمة: (١٠٧٨)، وأحمد: (٢٣٨٧٦)، والبيهقيّ: (٤٨٥٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(١٥) أخرجه التّرمذيّ في «أبواب الوتر»: (٤٧١)، وابن ماجه في «إقامة الصّلاة»: (١١٩٥)، وأحمد: (٢٦٠١٣)، وصحّحه الألبانيّ في «المشكاة»: (١٢٨٤).