ما هو النسك الأولى بالعمل من الأنساك الثلاثة؟ وهل صحيح أنّ الإفراد الذي هو النسك المفضل عند مالك وظاهر مذهب الشافعي أنّ من أفرد به يجب عليه أن يفسخه؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في أفضلية أنواع الإحرام في الحج

السؤال: ما هو النسك الأولى بالعمل من الأنساك الثلاثة؟ وهل صحيح أنّ الإفراد الذي هو النسك المفضل عند مالك وظاهر مذهب الشافعي أنّ من أفرد به يجب عليه أن يفسخه؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا.

الجواب:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين أمّا بعد:

فالمعلوم أنّ الحج له كيفيات ثلاث وهي: الإفراد وهو أن يهل الحاج بالحج فقط عند إحرامه، والقران: وهو أن يهل بالحج والعمرة معا، والتمتع: وهو أن يهل الحاج بالعمرة فقط في أشهر الحج ثمّ يحرم بالحج ويأتي بأعماله في نفس العام، والقارن والمتمتع يجب عليهما الهدي بالإجماع.

فهذه الأنواع الثلاثة كانت جائزة ابتداء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حيث خيرهم فيها على ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:”خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل(١) الحديث.

ثمّ بعد هذا التخيير ندب من لم يسق الهدي إلى نسك التمتع دون أن يفرضه عليهم فقالت عائشة رضي الله عنها: “فنزلنا سرِف [وهو موضع قريب من التنعيم] فخرج إلى أصحابه فقال: «من لم يكن منكم أهدى، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا» قالت: فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه”(٢)، وعند ابن عباس رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى ذي طوى [موضع قريب من مكة] وبات بها، فلمّا أصبح قال لهم:«من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة»(٣).

ثمّ أمر من لم يسق الهدي منهم بأن يفسخوا الحج إلى عمرة وفرض عليهم أن يتحللوا، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: “فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله أيّ الحلّ؟ قال: الحلّ كلّه(٤)، وفي رواية عائشة رضي الله عنها قالت: “خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلاّ الحج، فلمّا قدمنا مكة تطوفنا بالبيت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي أن يحل قالت: فحلّ من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي فأحللن… (٥)، ولا يدل تحتيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفسخ الحج إلى العمرة وعزمه عليهم بها، وتعاظم ذلك عندهم إلاّ الوجوب، فضلا عن غضبه صلى الله عليه وآله وسلم لما راجعوه وتراخوا عن العمل بالمأمور به، ولا يكون الغضب إلاّ من أمر واجب العمل والتطبيق، وقد ورد من حديث عائشة رضي الله عنها: “فدخل عليّ وهو غضبان، فقلت من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار” فقال:«أو ما شعرت أنّي أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون… »(٦).

وهذا ليس خاصا بهم لأنّهم لما سألوه عن الفسخ الذي أمرهم به: “ألعامنا هذا، أم لأبد الأبد؟”، فشبك صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد» (٧). وليس أمره صلى الله عليه وآله وسلم بفسخ الحج إلى العمرة لبيان جواز العمرة في أشهر الحج، لأنّ ذلك البيان وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك حيث اعتمر ثلاث عمر، كلها في أشهر الحج، ولو سلم أنّ الأمر بالفسخ لهذه العلة، فما فعله صلى الله عليه وآله وسلم مخالفة لأهل الشرك مشروع إلى يوم القيامة. ولذلك يذهب بعض أهل العلم إلى وجوب التمتع على من لم يسق الهدي، وأنّه إذا طاف وسعى فقد حلّ شاء أم أبى وهو مذهب ابن عباس وأبي موسى الأشعري وهو مذهب ابن حزم (٨) وابن القيم (٩) وغيرهما. والمسالة خلافية والجمهور على جواز الأنساك الثلاثة.

غير أنّ صفة الإفراد المعروفة بأن يحرم بالحج ثمّ بعد الفراغ يخرج إلى أدنى الحل فيحرم منه بالعمرة فهذا الإفراد لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة الذين حجوا معه، بل ولا غيرهم-كما نصّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- فمثل هذه الصفة لا تكون أفضل ممّا فعلوه معهم، وإنّما المقصود بالإفراد الذي فعله الخلفاء الراشدون[أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم]، وهو أن يفرد الحج بسفرة، والعمرة بسفرة، وهو أفضل من القران والتمتع الخاص بسفرة واحدة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة لما قالت:يا رسول الله يصدر النّاس بنسكين وأصدر بنسك؟فقال:«فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثمّ ائتينا بمكان كذا، ولكنّها على قدر نفقتك أو نصبك»(١٠)، فهذا هو أفضل الأنواع بالنظر للصعوبة والمشقة المقترنة بتلك العبادة، وقد جاء عن عمر رضي الله عنه في قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الحجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾[البقرة:١٩٦]”من تمامهما أن تفرد كلّ واحد منهما من الآخر، وتعتمر في غير أشهر الحج” (١١)، وجاء عن علي رضي الله عنه أنّه قال في الآية: “من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك(١٢). فهذا الذي واظب عليه الخلفاء الراشدون فقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: “افصلوا حجكم عن عمرتكم، فإنّه أتمّ لحجكم وأتمّ لعمرتكم(١٣).

– فإن أراد أن يجمع بين النسكين(الحج والعمرة) بسفرة واحدة وقدم إلى مكة في أشهر الحج ولم يسق الهدي فالتمتع أفضل له، لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه الذين حجوا معه أن يفسخوا الحج إلى عمرة ويتحللوا فنقلهم من الإفراد إلى التمتع ولا ينقلهم إلاّ إلى الأفضل، لأنّهم أفضل الأمّة بعده، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث جابر رضي الله عنه بعدما أمرهم أن يتحللوا من إحرامهم ويجعلوها متعة: «افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به»(١٤).

– أمّا إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة ويسوق الهدي فالقران أفضل، لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساق الهدي وقرن وفِعله أفضل اقتداء به صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ الله اختار له الأفضل، وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ إنّ هدي القارن من الحل أفضل باتفاق ممّن يشتريه من الحرم، وهذا الترتيب في الأفضلية من أنّ الإفراد أفضل إذا أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة، أمّا إذا كان بسفرة واحدة فالقران أفضل لمن ساق الهدي، وإن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل، وهو تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وفيه تجتمع الأدلة ويزول الاضطراب بين الفقهاء، فقدم أفضل النسك باعتبار المشقة والصعوبة ثمّ بحسب سوق الهدي من عدمه فلكل واحد أفضليته في موضعه ومناسبته، ولا يعترض عليه بقوله صلى الله عليه وسلم:«لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» (١٥)، على أفضلية التمتع لأنّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل: “لتمتعت مع سوق الهدي” وإنّما غاية ما يدل عليه أنّه لو كان ذلك هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة ولم يسق الهدي وهو لا يختار أن ينتقل من الأفضل إلى المفضول وخاصّة وقد ساق صلى الله عليه وسلم مائة بدنة مع ما فيه من تعظيم شعائر الله أفضل في نفسه بمجرد التحلل والإحرام، فالسنة-إذن- جاءت بتفضيل كلّ بحسبه ومناسبته وموضعه على ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية (١٦).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا.

 

الشيخ العلامة محمد علي فركوس

الجزائر في: ٢٣ صفر ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٢ أفريل ٢٠٠٥م

الفتوى رقم: ١٨٩

الصنف: فتاوى الحج – الإحرام

(١) أخرجه مسلم في الحج(٢٩٧١)، وأبو داود في المناسك (١٧٨٠)، والنسائي في مناسك الحج(٢٧٢٩)، والحميدي في مسنده(٢١٣)، والبيهقي(٩٠٤٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٢) أخرجه البخاري في الحج(١٥٦٠)، ومسلم في الحج(٢٩٨٠)،وأبو داود في المناسك(١٧٨٤)، وأحمد(٢٦٥٨٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٣) أخرجه مسلم في الحج(٣٠٦٩)، والبيهقي(٩٠٧٤)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار(٣٨٣٢)، ومسلم في الحج(٣٠٦٨)، والنسائي في مناسك الحج(٢٨٢٥)، وأحمد(٢٣١٤)، والبيهقي(٨٩٩٤)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه.

(٥) أخرجه البخاري في الحج(١٥٦١)، ومسلم في الحج(٢٩٨٨)، والنسائي في مناسك الحج(٢٨١٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٦) أخرجه مسلم في الحج(٢٩٩٠)، وأحمد(٢٦١٦٧)، والبيهقي(٩١٢٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٧) أخرجه ابن ماجة في المناسك(٣٠٩٤)، من حديث جابر رضي الله عنه. وصححه الألباني في حجة النبي صلى الله عليه وسلم (ص:١٤)

(٨) المحلى لابن حزم:(٧/ ٩٩).

(٩) زاد المعاد لابن القيم:(٢/ ١١٤).

(١٠) أخرجه البخاري في العمرة(١٧٨٧)، ومسلم في الحج(٢٩٨٦)، وأحمد(٢٤٨٨٨)، والبيهقي(٨٩١٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(١١) انظر تفسير ابن كثير:(١/ ٢٣٠).

(١٢) أخرجه البيهقي(٨٩٦٧) موقوفا عن علي رضي الله عنه، وأخرجه كذلك (٨٩٦٥) عن أبي هريرة مرفوعا، ولا يصح. قال الألباني في السلسلة الضعيفة(١/ ٣٧٦) رقم:(٢١٠):”وقد رواه البيهقي من طريق عبد الله بن سلمة المرادي عن علي موقوفا ورجاله ثقات، إلاّ أنّ المرادي هذا كان تغير حفظه. وعلى كلّ حال، هذا أصح من المرفوع”.

(١٣) أخرجه مالك(٧٧٢)، والبيهقي(١٤٥٥٤).

(١٤) أخرجه البخاري في الحج(١٥٦٨)، ومسلم في الحج(٣٠٠٤)، وأحمد(١٤٦٠٨)، من حديث جابر رضي الله عنه.

(١٥) أخرجه أبو داود في المناسك(١٩٠٧)، والنسائي في مناسك الحج(٢٧٢٤)، وأحمد(١٤٨١٤)، والدارمي(١٩٠٣)، من حديث جابر رضي الله عنه. وانظر: “حجة النبي صلى الله عليه وسلم” للألباني(ص:٦٤).

(١٦) المجموع لابن تيمية:(٢٦/ ٨٠ وما بعدها).