ما هو حكمُ مَن يقوم ببناءِ مسجدٍ بجوارِ مسجدٍ آخَرَ بحجَّةِ أنَّ هذا المسجدَ لا تجوز فيه الصلاةُ لأنه تتولَّى الإشرافَ عليه الدولةُ؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في حكم بناءِ المسجد بجوارِ آخَرَ

السؤال:

ما هو حكمُ مَن يقوم ببناءِ مسجدٍ بجوارِ مسجدٍ آخَرَ بحجَّةِ أنَّ هذا المسجدَ لا تجوز فيه الصلاةُ لأنه تتولَّى الإشرافَ عليه الدولةُ؟ وهذه المجموعةُ تعتبر الحُكَّامَ طواغيتَ حَسَبَ قولِها وبأنهم لم تُعْقَدِ البَيْعةُ لهم، كما أنَّ هذه الجماعةَ ـ أيضًا ـ تُصلِّي صلاةَ العيدِ مُنْفَرِدَةً عن جماعةِ المسلمين، بحُجَّةِ عدَمِ جوازِها خَلْفَ بعضِ الأئمَّةِ لأنهم لا يُصَلُّون صلاةَ الجمعةِ، فهل هذا مبرِّرٌ لتفريقِ جماعةِ المسلمين؟ وما هو الحكمُ الشرعيُّ في التعامل مع هذه الجماعة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ نصَّ العلماءُ على تحريمِ بناءِ مسجدٍ بجوارِ مسجدٍ أو بالقُرْبِ منه لقصدِ الإضرارِ والمنافَسَةِ لِما فيه مِن تفريقِ جماعةِ المسلمين وإحداثِ التقاطُعِ بينهم وشَقِّ عصاهم؛ فإنَّ كُلَّ مسجدٍ بُنِيَ تحدِّيًا للمسلمين وإضرارًا بهم أو للرياءِ والسمعةِ فهو مسجدُ الضرارِ أو في حُكْمِه، يُصْنَع به كما يُصْنَع بالمسجد الضرار، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧ لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨﴾ [التوبة].

هذا، وقد أَجْمَعَ العلماءُ على وجوبِ طاعةِ الحاكم المتغلِّب وإن لم يَسْتجمِعْ شروطَ الإمامة؛ فإمامتُه صحيحةٌ، ولا يجوز الخروجُ عليه قولًا واحدًا عند أهلِ العلم والسنَّةِ ولو ظَهَرَ منهم الجَوْرُ والظلمُ؛ فالواجبُ الصبرُ عليهم والصلاةُ خَلْفَهم؛ فإنَّ طاعتَهم خيرٌ مِن الخروجِ عليهم لِما في ذلك مِن حَقْنِ الدماء والمحافَظةِ على الأموال والأعراضِ وتسكينِ الدهماء، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(١)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً؛ فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ»(٢).

وعليه، فلا تكون دعوى ما يقع مِنْ ظُلْمِهم وجَوْرِهم بتأويلٍ سائغٍ أو غيرِ سائغٍ مُبرِّرًا لتَرْكِ الجُمُعة والجماعات؛ فليس ذلك مِن أصولِ أهلِ السنَّة والجماعة، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ولهذا كان التاركون للجمعةِ والجماعاتِ خَلْفَ أئمَّةِ الجَوْرِ مُطْلَقًا معدودين عند السلفِ والأئمَّةِ مِن أهلِ البِدَع»(٣).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ مِن المحرَّم ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٧ مارس ٢٠٠٥م

الفتوى رقم: ٦١

الصنف: فتاوى الصلاة – المساجد

(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الفتن» باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «سترَوْن بعدي أمورًا تُنْكِرونها» (٧٠٥٣)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٩)، مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «مناقب الأنصار» بابُ قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للأنصار: «اصْبِروا حتَّى تَلْقَوْني على الحوض» (٣٧٩٢)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٥)، مِن حديث أنسٍ عن أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ رضي الله عنهما.

ويمكنُ مُراجَعةُ تفصيلِ هذه المسألةِ في مؤلَّفَيْنا: «مجالس تذكيرية على مسائلَ منهجيةٍ» و«منصب الإمامة الكبرى».

(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٣/ ٣٤٣).