ما هو وقت الإجزاء في رمي جمرة العقبة؟ وهل للضعفة وغير القادرين ولمن كان في حكمهم-لمن دفع من مزدلفة بليل- رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

وقت الإجزاء في رمي جمرة العقبة للقادرين والضعفة

السؤال: ما هو وقت الإجزاء في رمي جمرة العقبة؟ وهل للضعفة وغير القادرين ولمن كان في حكمهم-لمن دفع من مزدلفة بليل- رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس؟

الجواب:

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فالسنة أن لا يرمي الحاج إلاّ بعد طلوع الشمس ضحى لما أخرجه البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وفيه:”رمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضحى ورمى بعد ذلك بعد الزوال(١)وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم تحمل على الوجوب لمكان حديث:”خذوا عنّي مناسككم(٢) إلاّ إذا قام الدليل على صرفها عن الوجوب، ويقوي ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أذن للضعفة من أهله بالخروج من مزدلفة ليلا إلى منى وأمرهم بأن لا يرموا الجمرة إلاّ بعد طلوع الشمس، كما صح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفاء أهله بغلس، ويأمرهم-يعني- لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس(٣)، ذلك لأنّ وقت الرمي النهار دون الليل لذلك وصفت الأيام بالرمي دون الليل في قوله تعالى:﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]، قال الباجي-رحمه الله-:”فوصفت الأيام بأنّها معدودات للجمار المعدودات فيها، فلا يجوز الرمي بالليل، فمن رمى ليلا أعاد”.

هذا وإذا كان حكم المبيت بمزدلفة والرمي بعد طلوع الشمس واجبا على الصحيح فإنّه غير واجب على الضعفة المرخص لهم تخلصا من الازدحام، لأنّ الأحاديث الواردة بالرمي قبل الفجر أو بعده قبل طلوع الشمس أفادت الرخصة للنساء ومن في معناهن، لما رواه البخاري ومسلم عن سالم أنّه قال: “وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المعشر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله ما بدا لهم ثمّ يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإن قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول:«أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم»”(٤)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما:”أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر، فرموا الجمرة مع الفجر”(٥)، وعن أسماء رضي الله عنها:”أنّها رمت الجمرة، قلت: إنّا رمينا الجمرة بليل؟ قالت: إنّا كنّا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”(٦)، ولأنّ القياس الصحيح يقتضيه لكونه وقتا للدفع من مزدلفة فكان وقتا للرمي كبعد طلوع الشمس، قال الشوكاني:”والأدلة تدلّ على أنّ وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له رخصة كالنساء وغيرهن من الضعفة جاز قبل ذلك، ولكنّه لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعا”(٧).

هذا، أمّا ظاهر التعارض بين حديث ابن عباس السابق وفيه:”فأمرهم أن لا يرموا حتى تطلع الشمس“، وعنه رضي الله عنهما قال:”قدّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أُغيلمة بني عبد المطلب على جمرات، فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول: أُبَيْنيّ، لاترموا الجمرة حتى تطلع الشمس(٨) بينه وبين الأحاديث المرخصة للرمي بليل قبل الفجر أو بعده قبل طلوع الشمس فقد جمع بينهما ابن القيم-رحمه الله- بحمل أول وقته للضعفة من طلوع الفجر، ولغيرهم بعد طلوع الشمس فيكون نهيه للصبيان عن رمي الجمرة حتى تطلع الشمس، لأنّه لا عذر لهم في تقديم الرمي، ورخص للنساء في الرمي قبل طلوع الشمس، كما في حديث ابن عمر وأسماء وغيرهما. أمّا ابن قدامة-رحمه الله- فحمل الأخبار المتقدمة على الاستحباب والأخرى على الجواز(٩)، وبه تتوافق الأحاديث المتعارضة ظاهرا وتجتمع.

والعلم عند الله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

الشيخ العلامة محمد علي فركوس

الجزائر في:٠٦ربيع الأول١٤٢٦ﻫ
الموافـق ﻟ: ١٥ أفريل ٢٠٠٥م

الفتوى رقم: ١٩٧

الصنف: فتاوى الحج – رمي الجمرات

(١) أخرجه البخاري في الحج، باب رمي الجمار، ومسلم في الحج(٣٢٠١)، وأبو داود في المناسك(١٩٧٣)، والنسائي في مناسك الحج(٣٠٦٧)، والترمذي في الحج(٩٠٣)، وابن ماجه في المناسك(٣١٦٩)، وأحمد(١٤٧٢٧)، والدارقطني في سننه(٢٧١٣)، والبيهقي(٩٨٣٨)، من حديث جابر رضي الله عنه. قال ابن عبد البر:”أجمع العلماء على أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّما رماها ضحى ذلك اليوم”(المغني لابن قدامة:٣/ ٤٢٨).

(٢) أخرجه مسلم في الحج(٣١٩٧)، وأبو داود في المناسك(١٩٧٢)، والنسائي في مناسك الحج(٣٠٧٥)، وأحمد(١٤٧٠٩٣)، من حديث جابر رضي الله عنه.

(٣) أخرجه أبو داود في المناسك(١٩٤٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وصححه الألباني في صحيح أبي داود(٢/ ١٩٤).

(٤) أخرجه البخاري في الحج(١٦٧٦)، ومسلم في الحج(٣١٩٠)، والبيهقي(٩٧٨٣)، من حديث ابن عمر رضي الله عهما.

(٥) أخرجه أحمد(٢٩٩٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عهما.

(٦) أخرجه أبو داود في المناسك(١٩٤٥)، والبيهقي(٩٨٤٥)، من حديث أسماء رضي الله عنها. وصححه الألباني في صحيح أبي داود(٢/ ١٩٥).

(٧) نيل الأوطار للشوكاني:(٦/ ١٦٨).

(٨) أخرجه أبو داود في المناسك(١٩٤٢)، والنسائي في مناسك الحج(٣٠٧٧)، وابن ماجه في المناسك(٣١٤٠)، وأحمد(٢١١٥)، والحميدي في مسنده(٤٩٣)، والبيهقي(٩٨٣٩)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وصححه الألباني في المشكاة(٢٦١٣).

(٩) المغني لابن قدامة:(٣/ ٤٢٨).