ما هي أعمال السعي بين الصفا والمروة؟ وهل يُشرَعُ ختم السعي بركعتين كختم الطواف؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في أعمال السعي بين الصفا والمروة

السـؤال:

ما هي أعمال السعي بين الصفا والمروة؟ وهل يُشرَعُ ختم السعي بركعتين كختم الطواف، كما قرأتُه في بعض كتب الأحناف؟

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا فَرَغَ المُحْرِمُ من طوافه خرج إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ويقول: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، ولا يكرِّرها في غير هذا الموضع، ثمَّ يرتقي على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها فيرفع يديه من غير إرسال فيوحِّد اللهَ ويُكبِّره، فيقول: «اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، يكرِّر ذلك ثلاثَ مرات، ويدعو بين التهليلات بما شاء من الأدعية، والأفضل أن يكون مأثورًا عن النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أو السلف الصالح.

ويدلُّ عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلاَ عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللهَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ»(١)، وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاَثَ مَرَّات»(٢).

– ثم يَنْزِلُ من الصفا إلى المروة ليسعى بينهما، فإذا وصل إلى العمود الأخضر الأوَّلِ هَرْوَلَ، أي: أسرع بقدر ما يستطيع من غير أَذِيَّةٍ إلى العمود الأخضر الثاني، وهما عَلَمَان معروفان بالميلين الأخضرين، وكان في عهده صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم واديًا أبطح فيه دقاق الحصى، ويقول بينهما: «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ»(٣)، فقد ثبت عن جمع من السلف.

ويدلُّ على ذلك «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ»(٤)، ويقول: «لاَ يُقْطَعُ الأَبْطَحُ إِلاَّ شَدًّا»(٥).

– ثمَّ يسير على عادته إلى المروة فيرتقي عليها ويستقبل القبلة ويقول مثل ما قاله في «الصفا» من تكبير وتوحيدٍ ودعاءٍ.

ثم ينزل من المروة إلى الصفا ويهرول في موضع إسراعه، ويرتقي على الصفا ويستقبل القبلة ويقول مثل ما قاله أولَ مرة.

ويُعَدُّ السعيُ من الصفا إلى المروة شوطًا، ومن المروة إلى الصفا شوطًا ثانيًا، ويُتِم سعيه بسبعة أشواط، يبتدئ الشوطُ الأول بالصفا وينتهي الشوطُ السابع بالمروة.

ويدلُّ عليه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وفيه: «ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ»(٦).

تنبيـه:

– ليس للسعي ذكر مخصوص إلاّ ما تقدم، وله أن يأتي في سعيه ما شاء من الأدعية والأذكار المسنونة وقراءة القرآن.

– من السنة الهرولة، أي: السعي الشديد بين العَلَمين الأخضرين في جميع أشواط السعي، بينما في الطواف لا يرمُل إلاّ في الثلاثة الأولى فقط، ويمشي بين الركنين وهما الركن اليماني والحجر الأسود.

– وليس من السنة الاضطباع في السعي، وإنما سُنِّـيَّتُه عند طواف القدوم، إذ لم يثبت أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اضطبع في غير الطواف، قال ابن قدامة -رحمه الله-: «وقال الشافعي: يَضْطَبِعُ فيه؛ لأنه أحدُ الطَّوَافَيْنِ، فأشبهَ الطوافَ بالبيت، ولنا أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لم يضطبع فيه، والسُّنَّة في الاقتداء به، قال أحمد: ما سمعنا فيه شيئًا، والقياس لا يصحُّ إلاَّ فيما عُقل معناه، وهذا تعبُّدٌ محضٌ»(٧).

– ليس من السنة الصلاة بعد السعي، وقال بعض الحنفية باستحباب ركعتين بعده(٨)، استنادًا إلى ما روى المطلب بن أبي وداعة قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ جَاءَ، حَتَّى إِذَا حَاذَى الرُّكْنَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي حَاشِيَةِ المَطَافِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّائِفِينَ أَحَدٌ»، والحديث ضعيف(٩)، وعلى فرض التسليم بصحته فليس فيه دليل على أنَّ الركعتين من سنن السعي لجواز مطلق النفل، فهي واقعة عين محتملة فلا دليل فيها.

– السعي لا يكون إلاَّ بعد الطواف، أي: أن يتقدَّم السعيَ طوافٌ صحيحٌ لتبعية السعي له(١٠)، وأن يجعل سعيه مرتبًا وَفق السنة يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ‑كما تقدم‑ فإن بدأ بالمروة لم يَعتَدَّ بذلك الشوط، فإذا وصل الصفا كان هذا أَوَّلَ سعيه، وأن يستوعب ‑في سعيه‑ ما بين الصفا والمروة، فإذا لم يصعد على الصفا والمروة لزمه أن يُلصق قدمه بالابتداء والانتهاء، ولا يصح أن يترك مما بينهما شيئًا، وأن يكون السعي في موضع السعي، ولا يصح سعيٌ بمحاذاة المسعى، سواء من داخل المسجد أو من خارجه.

– يجوز الطواف والسعي راكبًا والمشي أفضل لغير العاجز، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ»(١١)، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لاَ يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ»(١٢).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الشيخ العلامة محمد علي فركوس

الجزائر في: ٠٢ جمادى الأولى ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٧ أبريل ٢٠٠٩م

الفتوى رقم: ١٠١١

الصنـف: فتاوى الحج – العمرة

(١) أخرجه مسلم كتاب «الجهاد والسير»: (٢/ ٨٥٦)، رقم: (١٧٨٠)، وأحمد: (٢/ ٥٣٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٥/ ٩٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود كتاب «المناسك»: (٢/ ٣١٥)، والترمذي كتاب «تفسير القرآن»، باب ومن سورة البقرة: (٢٩٦٧)، وأحمد: (٣/ ٣٢٠)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله رضي الله عنهما. والحديث صححه ابن عبد البر في «التمهيد»: (٢٤/ ٤١٤)، والألباني في «الإرواء»: (٤/ ٣١٨). وأخرجه مسلم كتاب «الحج»: (١/ ٥٥٧)، رقم: (١٢١٨)، بلفظ: «أَبْدَأُ». وأما لفظ: «ابدؤوا» فشاذة، قال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ٥٠٩) بعد أن ذكر من رواها: «قال أبو الفتح وابن دقيق العيد القسيري: مخرج الحديث عندهم واحد، وقد اجتمع مالك، وسفيان ويحيى بن سعيد القطان على رواية: نبدأ بالنون التي للجمع، قلت: وهم أحفظ من الباقين»، وانظر: «الإرواء» للألباني: (٤/ ٣١٧).

(٣) ورد عن عمر وابنه عبد الله وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم. أنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة: (٣/ ٤٢٠)، (٦/ ٨٣)، و«السنن الكبرى» للبيهقي: (٥/ ٩٥)، وروي مرفوعا ولا يصح إلاّ موقوفا. انظر: «البدر المنير» لابن الملقن: (٦/ ٢١٦)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (٢/ ٥١٠)، «تخريج أحاديث الإحياء» للعراقي: (١/ ٢٧٨)، و«حجة النبي صلى الله عليه وسلم» للألباني: (١١٩).

(٤) أخرجه البخاري كتاب «الحج»، باب ما جاء في السعي بين الصفاوالمروة: (١/ ٣٩٧)، ومسلم كتاب «الحج»: (١/ ٥٧٥)، رقم: (١٢٦١)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه ابن ماجه كتاب «المناسك»، باب السعي بين الصفا والمروة: (٢٩٨٧)، وأحمد: (٦/ ٤٠٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٥/ ٩٨)، من حديث أم ولد شيبة رضي الله عنها. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (٥/ ٥٦٤).

(٦) أخرجه مسلم كتاب «الحج»: (١/ ٥٥٧)، رقم: (١٢١٨)، والنسائي كتاب «مناسك الحج»: (٢٩٨٥)، وابن ماجه كتاب «المناسك»، باب حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (٣٠٧٤)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٧) «المغني» لابن قدامة: (٣/ ٣٧٣).

(٨) قال ابن الهمام الحنفي في «فتح القدير» (٢/ ٤٧١): «إذا فرغ من السعي يستحب له أن يدخل فيصلي ركعتين ليكون ختم السعي كختم الطواف، كما ثبت أن مبدأه بالاستلام كمبدئه عنه عليه السلام، ولا حاجة إلى هذا القياس إذ فيه نص وهو ما روى المطلب بن أبي وداعة…».

(٩) أخرجه النسائي كتاب «مناسك الحج»، أين يصلي ركعتي الطواف: (٢٩٥٩)، وابن ماجه كتاب «المناسك»، باب الركعتين بعد الطواف: (٢٩٥٨)، والحاكم في «المستدرك»: (١/ ٣٨٤)،  وهو ضعيف كما في «السلسلة الضعيفة» (٢/ ٣٢٦-٣٢٧)، برقم: (٩٢٨)، و«تمام المنة»: (٣٠٣)، كلاهما للألباني.

(١٠) «المغني» لابن قدامة: (٣/ ٣٩٠).

(١١) أخرجه مسلم كتاب «الحج»: (١/ ٥٧٩)، رقم: (١٢٧٣)، وأبو داود كتاب «المناسك»، باب الطواف الواجب: (٢/ ٣٠٤)، وأحمد: (٣/ ٣١٧)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(١٢) أخرجه مسلم كتاب «الحج»: (١/ ٥٧٦)، رقم: (١٢٧٤)، وأحمد: (١/ ٢٩٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٥/ ١٠٠)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.