ما هي صيغة التسليم على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في التشهُّد في الصلاة؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

 صيغة التسليم على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في التشهُّد في الصلاة

السؤال:

قال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «ولَمَّا عَلِمَ مالكٌ أنَّ التشهُّد لا يكون إلَّا توقيفًا عن النبيِّ عليه السلام اختار تشهُّدَ عمر؛ لأنه كان يُعلِّمُه للناس ـ وهو على المنبر ـ مِنْ غيرِ نكيرٍ عليه مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصحابةِ وكانوا مُتوافِرِين في زمانه، وأنه كان يُعلِّمُ ذلك مَنْ لم يعلمه مِنَ التابعين وسائرِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الداخلين في الدِّين، ولم يأتِ عن أَحَدٍ حَضَرَهُ مِنَ الصحابةِ أنه قال: ليس كما وَصَفْتَ»(١)، فهل التحيَّةُ التي نَذْكُرُ في الصلاةِ توقيفيةٌ أم توفيقيةٌ؟ يعني: هل نقول: «السلامُ على النبيِّ» أم «السلامُ عليك أيُّها النبيُّ»؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فكِلَا الصيغتين توقيفيٌّ، غيرَ أنَّ صيغةَ: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» ذُكِرَتْ بكافِ الخطابِ في التشهُّدِ والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حيٌّ بين أَظْهُرِ الصحابةِ رضي اللهُ عنهم، والصيغة الأخرى ـ وهي: «السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ» ـ تَرَكَ فيها الصحابةُ الخطابَ بعد وفاةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وذَكَرُوهُ بلفظِ الغَيْبَة، قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ ـ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: «.. السَّلَامُ عَلَيْكَ ـ أَيُّهَا النَّبِيُّ ـ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ..» وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(٢).

ولا يخفى أنَّ الصحابةَ لا يَعْدِلون عن توقيفٍ إلَّا بتوقيفٍ آخَرَ، وأمَّا أثرُ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ الذي أخرجه مالكٌ ـ رحمه الله ـ(٣) فغايةُ ما يدلُّ عليه تأكيدُ الصيغةِ بكافِ الخطاب ولا تَنْفِي ما عَدَاهُ، بينما صيغةُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه مبنيَّةٌ على التأسيسِ والإثبات، وما تَقرَّرَ عند عُلَماءِ الأصولِ أنَّ: «التَّأْسِيسَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّأْكِيدِ»، و«المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي».

وأمَّا ما ذَكَرَهُ ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ مِنْ أنه لم يَأْتِ عن أَحَدٍ حَضَرَهُ مِنَ الصحابة أنه قال: «ليس كما وَصَفْتَ» فيُعارِضُه حديثُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه المذكورُ، والمعلومُ ـ تقعيدًا عند الأكثرين ـ أنه إذا اختلف الصحابةُ رضي الله عنهم فيما بينهم لم يكن قولُ بعضهم حجَّةً على بعضٍ، ولم يَجُزْ للمجتهد بَعْدَهم أَنْ يُقلِّدَ بَعْضَهم، وإنما يَتقرَّرُ عليه لزومُ العملِ بالتخيُّر مِنْ أقوالهم ما يُقوِّيهِ الدليلُ وتُدعِّمُه الحجَّةُ؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وإِنْ تَنازَعوا رُدَّ ما تَنازَعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قولُ بعضهم حجَّةً مع مُخالَفةِ بَعْضِهم له باتِّفاقِ العلماء»(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٨ مِنْ ذي القعدة ١٤١٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٨ مارس ١٩٩٦م

 

الفتوى رقم: ٤٦

الصنف: فتاوى الصلاة – صفة الصلاة

(١) «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (١/ ٤٨٣).

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الاستئذان» باب الأخذ باليدين (٦٢٦٥) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٣) أخرج مالكٌ (٣٠٠)، وابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٢٩٩٢)، وعبدُ الرزَّاق في «مصنَّفه» (٣٠٦٧): عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ـ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ ـ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ يَقُولُ: «قُولُوا: التَّحِيَّاتُ للهِ، الزَّاكِيَاتُ للهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ للهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ ـ أَيُّهَا النَّبِيُّ ـ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». انظر: «نصب الراية» للزيلعي (١/ ٤٢٠)، و«صفة الصلاة» للألباني (١٦٣).

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ١٤).