هل تُقدم الصلاة الفائتة على الصلاة المكتوبة؟ وكيف يكون الخروج من الصلاة؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

 مشروعية التسليم مِنَ الصلاة عند إقامة الحاضرة

السؤال:

عند تعارُضِ إقامةِ صلاةٍ مكتوبةٍ مع مكتوبةٍ فائتةٍ أو تحيَّةِ مسجدٍ أو صلاةِ تطوُّعٍ: أيُّهما يُقدَّمُ؟ وكيف يكون الخروجُ مِنَ الصلاة؟ هل بالتسليم أم لا؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا دخل المصلِّي في صلاةِ فريضةٍ يقضيها كالظهر ـ مثلًا ـ وأُقيمَتْ صلاةُ العصر فالأَوْلى تركُها وإِنْ شَرَع فيها ابتداءً؛ فيسلِّمُ ويصلِّيها مع الإمام بنيَّةٍ مخالِفةٍ له على الراجح. وإِنْ كان يعلم أنه يُدْرِكُ الإمامَ في أوَّلِ صلاته أتمَّ صلاتَه مِنْ غيرِ إبطالٍ لها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣﴾ [محمَّد]، ويدخل مع الإمام ـ في صلاة العصر ـ بنيَّةٍ موافِقةٍ، وحكمُ النوافل ـ في ذلك ـ حكمُ الفرائض.

لكِنْ ـ في الحالة الأولى ـ هل يخرج بالتسليم أم لا؟ يرجع الخلافُ في هذه المسألةِ إلى اعتبارِ صحَّةِ صلاته مع الصلاة المكتوبة الحاضرة مِنْ عدمِ صحَّتها إِنْ أكملها:

ـ فلازمُ قولِ مَنْ يرى صحَّتَها: الخروجُ منها بالتسليم؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»(١).

ـ أمَّا مَنْ قضى بفسادها فلا تُسمَّى صلاةً بالمعنى الشرعيِّ، وإنما هي صلاةٌ صورةً لا حقيقةً؛ فلازمُ هذا المذهبِ: الخروجُ منها بغير التسليم.

وأصلُ هذا الخلافِ يرجع إلى قاعدةِ: هل النفيُ الواردُ في الحديث: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ»(٢) نفيُ صحَّةٍ أو نفيُ إجزاءٍ وكمالٍ؟ فمَنْ رأى أنه نفيُ صحَّةٍ نَفَى أَنْ تكون صلاةً حقيقةً وأبطلها، ويخرج مِنَ الصلاة مِنْ غير تسليمٍ، وإلَّا فإنه يخرج بالتسليم عند مَنِ اعتبرها صحيحةً.

والمختارُ في النفي أنه: إِنْ وَرَد على أمرٍ تعبُّديٍّ أفاد نفيَ صحَّةٍ، وإِنْ وَرَد على أمرٍ معقولِ المعنى أفاد نفيَ الإجزاء والكمال، ما لم يدلَّ دليلٌ أو قرينةٌ صارفةٌ عن هذا الأصل، ويدلُّ على الخروج عن الأصل حديثان:

۱ ـ خروجُ الصحابيِّ مِنَ الصلاة بالتسليم في قصَّةِ مُعاذٍ رضي الله عنه(٣).

۲ ـ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم للرجل الذي كان يصلِّي صلاةَ الفجر عند إقامةِ صلاة الصبح ـ وهو ابنُ بُحَيْنةَ رضي الله عنه ـ حيث قال له: «الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟! الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟!»(٤).

وحكمُ التسليم مِنْ صلاة النفل كالتسليم مِنْ صلاة الفرض عند إقامة الحاضرة إذا خَشِي فواتَ بعض الصلاة مع الإمام ـ كما تقدَّم ـ وقد قَطَع الحافظُ ـ رحمه الله ـ في «الفتح»(٥) أنَّ ابنَ بُحَيْنة رضي الله عنه خَرَج مِنَ الصلاة بالتسليم، وهذا يؤيِّد المذكورَ آنفًا.

ثمَّ إنَّ النفي الواردَ بصيغة النهي ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ في إفادته فسادَ المنهيِّ عنه مختلَفٌ فيه عند الأصوليِّين على أقوالٍ(٦): فمذهبُ الجمهور أنه يدلُّ على فساد المنهيِّ عنه إلَّا ما خَرَج بدليلٍ مُنفصِلٍ، والذي عليه أهلُ التحقيق: أنَّ النهي إِنْ وَرَد على ذاتِ المنهيِّ عنه أو على شرطٍ مِنْ شروطه أو ركنٍ مِنْ أركانه فإنه يدلُّ على فساد المنهيِّ عنه، وإِنْ وَرَد على أمرٍ خارجٍ عنه غيرِ لازمٍ لم يُفِدِ الفسادَ.

وبناءً عليه، فإنه يُستفادُ مِنَ النهي في الحديثِ توجُّهُه إلى ما يَشْغَلُ المصلِّيَ عن صلاته، لا عن ذاتِ الصلاة، وإِنْ وَرَد لفظُ النهي عليها، وتمثيلُ هذه الصورةِ بما صحَّ مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ»(٧)؛ فقَدْ حَمَل الجمهورُ صلاتَهما على الكراهة مع وجود النفي الداخل على الصلاة وهو أمرٌ تعبُّديٌّ؛ فدلَّتْ صحَّتُها على أنَّ النهي ليس مُنْصَبًّا ـ حقيقةً ـ على الصلاة، ولكِنْ على ما يَشْغَلُ عنها؛ فكان الشاغلُ عنها خارجًا عنها وليس داخلًا فيها؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا»(٨)؛ فهذا مِنَ الوجوه المرجِّحةِ لتقريرِ حكم الخروج مِنَ الصلاةِ بالسلام، فرضًا كانَتْ أو تطوُّعًا.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ ذي الحجَّة ١٤١٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ أفريل ١٩٩٦م

 

الفتوى رقم: ١٩٤

الصنف: فتاوى الصلاة – صفة الصلاة

(١) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابُ فرضِ الوضوء (٦١)، والترمذيُّ في «الطهارة» بابُ ما جاء أنَّ مفتاحَ الصلاةِ الطُّهورُ(٣)، وابنُ ماجه في «الطهارة وسُنَنِها» باب: مفتاحُ الصلاةِ الطُّهورُ (٢٧٥)، مِنْ حديثِ عليٍّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٨٨٥).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٧١٠) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الأذان» بابُ مَنْ شَكَا إمامَه إذا طوَّل (٧٠٥)، ومسلمٌ في «الصلاة» (٤٦٥)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما. والشاهدُ في روايةِ مسلمٍ: «.. فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ».

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الأذان» باب: إذا أُقيمَتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلَّا المكتوبةُ (٦٦٣)، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٧١١)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مالكٍ (المشهور بابنِ بُحَيْنة) رضي الله عنه.

(٥) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ١٥٠).

(٦) انظر مسألةَ النهي: هل يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه أم لا؟ في المصادر المُثْبَتة على هامش «مفتاح الوصول» للتلمساني ـ بتحقيقي ـ (٤٥٩)، و«الإنارة» للمؤلِّف شرح «الإشارة» للباجي (٦٣).

(٧) أخرجه مسلمٌ في «المساجد» (٥٦٠) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٨) أخرجه البخاريُّ في «العمل في الصلاة» باب: لا يَردُّ السلامَ في الصلاة (١٢١٦)، ومسلمٌ في «المساجد» (٥٣٨)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.