هل يجوز الاقتصار على ركعتين أو أربع ركعات من جملة اثنتي عشرة ركعة من السنن الرواتب المؤكدة؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في المحافظة على السنن الرواتب المؤكَّدة

فتوى العلامة محمد بن على فركوس حفظه الله

السـؤال:

هل يجوز الاقتصار على ركعتين أو أربع ركعات من جملة اثنتي عشرة ركعة من السنن الرواتب المؤكدة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالسنن الرواتبُ المؤكَّدة التابعة للفرائض الخمسِ سواء كانت قبليةً أو بعديةً تندرج ضمن عموم التطوُّعات المستحبة، غير أنه يكره له تركها أو ترك بعضها لكونها مؤكَّدةً داوم عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «حَفِظْتُ منَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ في بيته، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، في بيته، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ»(١)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لاَ يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ»(٢)، وعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت:«سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ»، قالت أم حبيبة: فما تَرَكْتُهُنَّ منذ سمعتُهُنَّ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»(٣)، وزاد الترمذي: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ»(٤). علمًا أنَّ سُنَّة الفجر آكد السنن الرواتب لقول عائشة رضي الله عنها: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْه تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ»(٥)، وفي لفظٍ: «لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا»(٦)، وعنها -أيضًا- أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»(٧). ولذلك حرص النبيُّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم على المحافظة عليها في الحضر والسفر، ولم ينقل عنه صَلَّى الله عليه وآله وسلم أنه صَلَّى الرواتب في السفر ما عدا ركعتي الفجر والوتر، وقد سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن سنة الظهر في السفر قال: «لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لأَتَمْمَتُ»(٨).

قال ابن القيم –رحمه الله-: «..ولذلك لم يكن يدعُها -أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم- هي والوتر سفرًا ولا حضرًا، وكان في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشدّ من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر أنه صَلَّى الله عليه وآله وسلم صلى سنةً راتبةً غيرهما»(٩).

هذا، وإضافة إلى فضل السنن الرواتب المؤكَّدة وسائر النوافل والتطوعات فإنها شرعت -أيضًا- لجبر الخلل وتكميل النقصان الواقع في الفرائض، وقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ الصَّلاَةُ، يَقُولُ رَبُّنَا لِمَلاَئِكَته -وَهُوَ أَعْلَمُ-:انْظُرُوا فِي صَلاَةِ عَبْدِي: أَتَمَّهَا أَمْ أَنْقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُم»(١٠).

ولذلك كان ينبغي المحافظة عليها خاصَّة على السنن الرواتب المؤكَّدة لما في ذلك من العناية بدين الله والاهتمام بشرعه والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].

ومن جهة أخرى لا يجوز تركها مُطلقًا أو ترك بعضها مُطلقًا؛ لأنَّ المداومة على تركها يعكس -بالمقابل- على عدم الاكتراث بسنن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والاقتداء بهديه، وعدم المبالاة بشرع الله تعالى، وقد نصَّ بعض الأئمة على أنَّ تارك السنن الرواتب مُطلقًا تُرَدُّ شهادته لسقوط عدالته من جهة نقصان دِينه والتهاون فيه، قال النووي: «مَنْ واظب على ترك الراتبة أو تسبيحات الركوع والسجود رُدَّت شهادته لتهاونه بالدين»(١١).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٦ ربيع الأوَّل ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ١٢ مارس ٢٠١٠م

الفتوى رقم: ١٠٤٧

الصنـف: فتاوى الصلاة – صلاة التطوُّع

(١) أخرجه البخاري في «الصلاة» (١/ ٢٨١) باب الركعتين قبل الظهر، ومسلم (١/ ٣٣٠) في «صلاة المسافرين وقصرها» رقم (٧٢٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه البخاري في «الصلاة» (١/ ٢٨٢) باب الركعتين قبل الظهر، وأحمد في «مسنده» (٦/ ٦٣)من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٣) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٩) في «صلاة المسافرين وقصرها» رقم (٧٢٨)، وأحمد في «مسنده» (٦/ ٣٢٦)، من حديث أم حبيبة رضي الله عنها.

(٤) أخرجه الترمذي في «الصلاة» (٤١٥) باب ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السنة وماله  فيه  من الفضل، وانظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٥/ ٤٥٨).

(٥) أخرجه البخاري في «الصلاة» (١/ ٢٧٩) باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما تطوعا، ومسلم (١/ ٣٢٨) في «صلاة المسافرين وقصرها» رقم (٧٢٤)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٦) أخرجه البخاري في «الصلاة» (١/ ٢٧٧) باب المداومة على ركعتي الفجر، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٤٧٠).

(٧) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٨) في «صلاة المسافرين وقصرها» رقم (٧٢٥)، وأحمد في «مسنده» (٦/ ٢٦٥)من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٨) أخرجه مسلم (١/ ٣١١) في «صلاة المسافرين وقصرها» رقم (٧٨٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٩) «زاد المعاد» لابن القيم: (١/ ٣١٥).

(١٠) أخرجه أبو داود في «الصلاة» (٨٦٤) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه»، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٤٢٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٤/ ١٧).

(١١) «المجموع للنووي»: (٤/ ٣٠).