هل يجوز جمع الصلاتين لمن لا يحضر الصلوات الخمس في المسجد؟!
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

هل يجوز جمع الصلاتين لمن لا يحضر الصلوات الخمس في المسجد؟!

في عارضية رخصة الجمع لأهل الأعذار

السـؤال:

بمدينتنا مساجدُ اشتهرت بالجمع بين الصلاتين حالَ نزول المطر، ويقصِد المسجدَ مَن لا يحضر الصلواتِ الخمسَ أبدًا، فهل يجوز لهؤلاء الجمع؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلم أنَّ الجمعَ بينَ الصلاتينِ ثَبَتَ رخصةً لأهلِ الأعذارِ، وهيَ رخصةٌ عارضةٌ لرفعِ الحرجِ عنهم، الذي هو الضيقُ والمَشَقَّةُ بشرطِ أَنْ لاَ يُتَّخذ الجمعُ عادةً(١)، وهذَا مِن تخفيفِ الشريعةِ وتيسيرها وسماحتها، وقد جاءت النصوصُ الشرعيةُ برفعِ الحرجِ، منها: قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقولُه تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقولُه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقولُه صلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(٢).

لذلك يُباحُ الجمعُ إذا كان في تركهِ حرجٌ قد رَفَعه اللهُ عن الأُمَّة، ولا يختصُّ الجمعُ بالسفرِ وإنما يتعلَّقُ بالحاجةِ التي معها مَشَقَّةٌ سواءٌ كانَ ذلكَ في السفرِ أو الحضرِ، للمطرِ أو المرضِ أو الوحلِ ونحو ذلك، فإذا احتاجَ الإمامُ إلى الجمعِ لمطرٍ أو وحلٍ شديدٍ أو ريحٍ باردةٍ قويَّةٍ، ونحو ذلكَ فله أن يجمعَ بين الصلاتينِ، وذلكَ أَوْلى مِن أَنْ يصلِّيَ الناسُ في بيوتهم منفردينَ أو مجتمعينَ، إذ الصلاةُ جمعًا في المساجدِ أَوْلى مِن الصلاةِ في البيوتِ مفرَّقةً باتِّفاقِ الأئمَّةِ الذينَ يجيزونَ الجمعَ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ كما قرَّره ابنُ تيميةَ رحمه الله(٣).

ويؤيِّدُ ذلكَ قولُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مِن أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلَّم «صَلَّى الظهرَ والعصرَ جميعًا بالمدينةِ في غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ»، وسألَ سعيدُ بنُ جبيرٍ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لِمَ فَعَلَ ذلكَ؟» قَال: «أَرَادَ أَنْ لاَ يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ»(٤)، وفي لفظٍ آخَرَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمغْرِبِ والعشَاءِ بالمدينةِ في غَيْرِ خَوْفٍ ولاَ مَطَرٍ…» الحديث(٥).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في ٢٢ المحرم ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ جانفي ٢٠٠٩م

الفتوى رقم: ٩٧٥

الصنـف: فتاوى الصلاة – أحكام الصلاة

(١) «شرح مسلم» للنووي (٥/ ٢١٩).

(٢) أخرجه البخاري في «الاعتصام بالكتاب والسنَّة» باب الاقتداء بسنن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (٧٢٨٨)، ومسلم في «الحج» (١٣٣٧)، مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٤/ ٢٩ ـ ٣٠).

(٤) أخرجه مسلم في «صلاة المسافرين» (٧٠٥)، من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه مسلم في «صلاة المسافرين» (٧٠٥)، مِن حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما.

قال الألباني ـ رحمه الله ـ في «الإرواء» (٣/ ٣٧): «ولعلَّ الصوابَ الروايةُ الأولى؛ فإنَّ لفظ «المدينة» معناه: «في غير سفر» فذِكْرُ هذه العبارةِ مرَّةً أخرى لا فائدة منها بل هو تحصيلُ حاصلٍ بخلاف قوله: «في غير خوفٍ» ففيه تنبيهٌ إلى معنًى لا يُستفاد إلاَّ به فتأمَّلْ». قلت: وهو الصحيح عملًا بقاعدةِ: «التَّأْسِيسُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّأْكِيدِ».