هل يجوز صناعة أحذيةٍ فيها صُوَرُ الحيوانات؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في حكم صناعة أحذيةٍ فيها صُوَرُ الحيوانات

السؤال:

إنَّ لي أخًا يعمل في إحدى الشركات الخاصَّة، لكنَّ هذه الشركة تصنع أحذيةً فيها صُوَرُ حيواناتٍ وأشياءَ فيها أرواحٌ مِثْلَ الإنسان، ونريد منكم أَنْ تُفْتُونَا ـ مأجورين ـ في هذه المسألةِ الحسَّاسة جدًّا، وهناك نماذجُ مِنْ هذه الصُّوَرِ أرسلتُها إليكم، فهل يجوز هذا العملُ أم لا يجوز؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنه يُوجَدُ فَرْقٌ ـ في الحكم ـ بين التصوير واقتناءِ الصورة.

أمَّا مُباشَرةُ التصوير بصياغته باليد عن طريق النحت أو النقش أو الرسم فالأصلُ فيه التحريمُ؛ لِمَا فيه مِنْ مضاهاةٍ لخَلْقِ الله تعالى على ما ثَبَتَ مِنَ النصوص الحديثية التي تُحرِّمُ ذلك وتُعلِّلُ التحريمَ بهذا المعنى.

ويستثنى مِنْ ذلك الصُّوَرُ الخالية مِنَ الروحِ والصورةُ التي ليسَتْ مُتَّصِلةَ الهيئةِ كصورة اليد أو الرِّجْلِ أو العين أو الأصبع ونحوِها؛ لكونها غيرَ كاملة الخَلْق.

أمَّا اقتناءُ الصورةِ واستعمالُهَا فلها أحكامٌ مُخْتلِفةٌ حَسَبَ القرائن والأحوال المُصاحِبة لذلك الاستعمال:

  • فإِنْ كان الاستعمالُ باتِّخاذِ صورةٍ مُجسَّمةٍ لها ظلٌّ مِنْ ذوات الأرواح فإنَّ الإجماع مُسْتقِرٌّ على تحريمها، سواءٌ كانَتْ معلَّقةً أو منصوبةً أو محفوظةً.
  • أمَّا غيرُ المجسَّمةِ التي خَلَتْ مِنْ ظِلٍّ فإمَّا أَنْ تكون معلَّقةً أو غيرَ معلَّقةٍ:

ـ فإِنْ كانَتْ معلَّقةً على الحائط مطبوعةَ الصورةِ عليه أو منقوشةً على الستائر أو غيرِها: فإِنْ كانَتْ معظَّمةً فحكمُها التحريمُ، وإِنْ لم يُقْصَدْ بها التعظيمُ فحكمُها الكراهةُ الشديدة.

ـ أمَّا غيرُ المعلَّقة وكانَتْ مُمْتَهَنةً بأَنْ تُداسَ أو تُوطَأَ أو تُلْبَسَ أو يُجْلَسَ عليها كالمَخَادِّ والوسائد ونحوِ ذلك مِنْ أنواع الاستعمالات التي تخرج عن هيئة التعظيم والتعليق فلا مانِعَ مِنِ اقتنائها واستعمالها؛ لحديثِ أبي طلحة رضي الله عنه مرفوعًا: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ»(١) وغيرِه مِنَ الأحاديث، كما يُسْتثنى مِنَ التحريمِ لُعَبُ الأطفال وما على شاكِلَتِها ممَّا يَتلهَّى به الصغارُ؛ لحديثِ عائشة رضي الله عنها المعروف(٢)، ما لم تَقْترِنْ بتلك اللُّعَبِ مَظاهِرُ العُرْيِ والتبرُّجِ وفسادِ الأخلاق، أو تَكُنْ ممَّا لا يُلْعَبُ بها وإنَّما تُعلَّقُ على الجدران أو تُوضَعُ على الرفوف؛ فتُمْنَعُ لِمَا فيها مِنْ معنى التعظيم.

وبناءً على ذلك: فإِنْ كانَتْ مؤسَّسةُ الأحذية هي التي تُباشِرُ تصاويرَ ذواتِ الأرواحِ بصناعتها نقشًا أو رسمًا فيَحْرُمُ ذلك لِمَا تَقدَّمَ بيانُه.

أمَّا إذا جاء مصنوعًا ومصوَّرًا والمؤسَّسةُ عملُها أنَّها تَضَعُه على الأحذية فإنَّ الظاهِرَ أنَّ الملبوس مُمْتهَنٌ يخرج عن هيئة التعليق والتعظيم، وتصاويرُه عُرْضةٌ للامتهان والزوالِ في كُلِّ وقتٍ؛ فحكمُه الجوازُ. وهذا كُلُّه إذا لم تكن هذه التصاويرُ تُعبِّرُ عن شعارٍ دينيٍّ أو فكريٍّ إيديولوجيٍّ أو عِرْقيٍّ أو حزبيٍّ ونحوِ ذلك؛ فإنَّه يُمْنَعُ ذلك لعدمِ جوازِ الموالاةِ إلَّا لأهل الإيمان والجماعة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ رمضان ١٤٢١ﻫ

الفتوى رقم: ١٤٩

الصنف: فتاوى المعاملات المالية – الإجارة

(١) أخرجه البخاريُّ في «اللباس» بابُ مَنْ كَرِهَ القعودَ على الصورة (٥٩٥٨)، ومسلمٌ في «اللباس والزينة» (٢١٠٦)، مِنْ حديثِ أبي طلحة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود في «الأدب» بابٌ في اللعب بالبنات (٤٩٣٢) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: «بَنَاتِي»، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟» قَالَتْ: «فَرَسٌ»، قَالَ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟» قَالَتْ: «جَنَاحَانِ»، قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟» قَالَتْ: «أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟»» قَالَتْ: «فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ». وصحَّحه الألبانيُّ في «آداب الزفاف» (١٧٠).