هل يجوز للإمام أن يُدْخِل امرأةً مُتبرِّجةً شِبْهَ عاريةٍ أو مُترجِّلةً المسجدَ مع زوجِها عندَ حصولِ مُنازَعةٍ بينهما؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في حكم دخول المتبرِّجة والمترجِّلة المسجدَ

السؤال:

هل يجوز للإمام أن يُدْخِل امرأةً مُتبرِّجةً شِبْهَ عاريةٍ أو مُترجِّلةً المسجدَ مع زوجِها عندَ حصولِ مُنازَعةٍ بينهما؟ أفتونا جزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمسلمةُ ينبغي عليها أن تَسْتُرَ نَفْسَها باللباس الشرعيِّ الذي أَمَرَ به تعالى إذ يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ أَحَدٍ مِنْ أُمَّهاتِهَا إِلَّا وَهِيَ هَاتِكَةٌ كُلَّ سِتْرٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّحْمنِ»(١).

كما لا يجوز لها أن تتشبَّهَ بأهلِ الكفر في عاداتهم ولباسهم وما يتَّصِلُ بهم لنهيِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن التشبُّه بهم، فقال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(٢)، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وهذا الحديثُ أقَلُّ أحواله أن يقتضيَ تحريمَ التشبُّه بهم، وإن كان ظاهِرُه يقتضي كُفْرَ المتشبِّه بهم، كما في قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [المائدة: ٥١]»(٣).

كما لا يجوز أن يكون لباسُها شبيهًا بلباسِ الرجال لحديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ»(٤).

والأصلُ أنَّ المرأة بهذه الصفةِ مِن التبرُّج والعُرْيِ والترجُّل لا يجوزُ لها أن تدخلَ المسجدَ إلَّا لحاجةٍ أو ضرورةٍ وبإذنٍ مِن الإمام؛ لأنَّ الصورة الظاهرة للمرأة غيرُ مَرْضِيَّةٍ شرعًا، وكُلُّ ما ينهى الشرعُ عنه ولا يرضى به يدخل في الرِّجْسِ والنجاسة؛ لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦﴾ [النور]؛ فالآيةُ تدلُّ على وجوبِ تعظيمِ المساجد ورفعِ شأنها بتطهيرها مِن الأقذار والأنجاس الحِسِّية والمعنوية.

هذا، وفي أحوالٍ استثنائيةٍ يجوز للإمام أو مَن يقوم مَقامَه إن رأى مصلحةً أو ضرورةً دافعةً إلى إدخالها المسجدَ، فيجوز له ذلك خروجًا عن الأصل لقيامِ الحاجة، مع النكير ولو بأَضْعَفِ الإيمان: كالتي يُرْجى هدايتُها، أو كالسائلةِ عن أمور دينها وتحتاج إلى تبصيرها به، أو لِيَفكَّ النِّزاعَ مع زوجها.

ولكنَّه مع ذلك لا يُفوِّت الفُرْصةَ في نصيحتها بالاستقامة على الدِّين والتستُّرِ المأمورِ به، وغيرِ ذلك مِمَّا يراه الإمامُ أو مَن يقوم مَقامَه نافعًا لِدِينِها وعاقبةِ أَمْرِها.

وإنَّما اسْتُثْنِيَ ذلك خروجًا مِن أَصْلِ المنعِ عملًا بالقياس الأولويِّ في أنه إذا جازَ للمُشْرِك دخولُ المسجد بإذنِ الإمام ـ على أَرْجَحِ الأقوال في المسألة ـ فإنه يجوز للمسلم دخولُه مِن بابٍ أَوْلى، وخُبْثُ التبرُّجِ أَهْوَنُ مِن خُبْثِ الشركِ ونجاستِه المعنوية. ويدلُّ على جوازِ دخولِ المشركِ المسجدَ بإذنِ الإمامِ عِدَّةُ أحاديثَ منها:

ـ ما رواه محمَّدُ بنُ جُبَيرٍ عن أبيهِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه ـ وكان جاءَ في أُسارَى بَدْرٍ ـ قال: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ»(٥).

وفي روايةٍ: «أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِدَى بَدْرٍ ـ قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: فِي فِدَى المُشْرِكِينَ ـ وَمَا أَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ، فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي المَغْرِبَ، فَقَرَأَ بِالطُّورِ؛ فَكَأَنَّمَا صُدِعَ عَنْ قَلْبِي»(٦).

ـ ومنها حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ»(٧).

قال ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ: «ودخولُ المشركين في جميعِ المساجدِ جائزٌ حاشا حَرَمَ مكَّةَ كُلَّه: المسجدَ وغيرَه، فلا يَحِلُّ ألبتَّةَ أن يدخله كافرٌ، وهو قولُ الشافعيِّ وأبي سليمان»(٨).

ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ﴾ [التوبة: ٢٨]؛ فإنَّ في الآيةِ تحريمَ دخولِ الكُفَّار والمشركين إلى المسجد الحرام، وتخصيصُ المسجدِ الحرامِ بالذِّكر في الآية الكريمةِ يدلُّ بالمفهوم على أنَّ غيره مِن المساجدِ ليس في حُكْمِه، ويتأيَّد بمنطوقِ الأحاديث السابقة.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ شوَّال ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٥ نوفمبر ٢٠٠٧م

الفتوى رقم: ٧٧٦

الصنف: فتاوى الصلاة – المساجد

(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٧٠٣٨) مِن حديثِ أمِّ الدرداء رضي الله عنها. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب» (١٦٩). قال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (١/ ٦١٧): «رواه أحمد والطبرانيُّ في «الكبير» بأسانيدَ، ورِجالُ أَحَدِها رجالُ الصحيح»، وصحَّحه الألبانيُّ في «آداب الزفاف» (٦٨)، وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٧/ ١٣٠٧) رقم: (٣٤٤٢).

(٢) أخرجه أبو داود في «اللباس» بابٌ في لُبْس الشهرة (٤٠٣١)، وأحمد (٥١١٤)، مِن حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه العراقيُّ في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩)، وحسَّنه ابنُ حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٨)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١٢٦٩).

(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (١/ ٢٤١).

(٤) أخرجه البخاريُّ في «اللباس» بابُ المتشبِّهين بالنساء والمتشبِّهاتِ بالرجال (٥٨٨٥) مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» بابُ فِداءِ المُشْرِكين (٣٠٥٠) مِن حديث جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه.

(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٦٧٦٢)، والبيهقيُّ في «سننه» (٤٣٣٣)، والطبرانيُّ في «الكبير» (١٥٠٢)، مِن حديث جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «الثمر المستطاب» (١/ ٧٧٢).

(٧) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» بابُ الاغتسال إذا أَسْلَمَ، وربطِ الأسير ـ أيضًا ـ في المسجد (٤٦٢)، ومسلمٌ في «الجهاد والسِّيَر» (١٧٦٤)، مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٨) «المحلَّى» لابن حزم (٤/ ٤٤٣).