هل يجوز للرجل أَنْ يتمتَّعَ بزوجته كيف يشاءُ إلَّا أَنْ يأتيَها في دُبُرِها؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

في المواضع المشروعة لاستمتاع أحَدِ الزوجين بصاحِبِه

السؤال:

يقول السائل: هل يجوز للرجل أَنْ يتمتَّعَ بزوجته كيف يشاءُ إلَّا أَنْ يأتيَها في دُبُرِها؟ كأَنْ يطلب منها أَنْ تَمُصَّ ذَكَرَه أو أَنْ يلحس فَرْجَها، ومعذرةً على هذه الصياغة، ولكنَّ الأمر مُلِحٌّ جدًّا، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فأهل العلم تختلف أنظارُهم في حكمِ هذا الفعل بين مُجيزٍ وهو مذهبُ الحنابلة وبعضِ المالكية كأَصْبَغَ، ومانِعٍ مُطْلَقًا، ومُكرِّهٍ له.

أمَّا المانعون فاستدلُّوا بطريق الأَوْلى بالأحاديث المانعة مِنْ نظر الرجل والمرأة كُلِّ واحدٍ منهما إلى عورةِ الآخَرِ مثل قول عائشة رضي الله عنها في ذِكْرِ حالها مع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ»(١)؛ فإذا كان النظرُ ممنوعًا فيُمْنَعُ مَسُّ الفَرْجِ أو الذَّكَرِ ومَصُّه مِنْ بابٍ أَوْلى.

أمَّا القائلون بالجواز مُطْلَقًا أو بالتفصيل فاستدلُّوا بأنَّ الأصل الإباحةُ في استمتاعِ كُلِّ واحدٍ منهما ولم يَسْتَثْنِ الشرعُ سوى أَنْ يأتيَها في الدُّبُر، أو في القُبُلِ حالَ الحيض والنفاس أو حالَ تضرُّرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦﴾ [المؤمنون:٥ ـ ٦؛ المعارج: ٢٩ ـ ٣٠]، ولقوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(٢)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم حالَ الحيض: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»(٣)، ومعنى الحديث: أنَّ لكُلٍّ مِنَ الزوجين أَنْ يَسْتمتِعَ مِنَ الآخَرِ بما شاء في زمن الحيض إلَّا الوطءَ فهو محرَّمٌ في مَحَلِّه، وردُّوا على حديثِ عائشة رضي الله عنها أنه ضعيفٌ لا يصلح للاستدلال، بل الأحاديثُ الصحيحةُ تُخالِفُه نحو اغتسال النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع أزواجه(٤)، ومُعاشَرتِه صلَّى الله عليه وسلَّم لهنَّ؛ فهي تدلُّ على جواز النظر، فضلًا عن كونه مُعارِضًا لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ»(٥)، والحديثُ ـ على فَرْضِ صحَّتِه ـ فهو محمولٌ على الأدب على ما قال ابنُ العربيِّ ـ رحمه الله ـ(٦).

ومِنْ نصوص الحنابلة ما ذَكَرَهُ المرداويُّ ـ رحمه الله ـ في «الإنصاف» قال: «فائدتان: إحداهما: قال القاضي في «الجامع»: يجوز تقبيلُ فَرْجِ المرأة قبل الجماعِ ويُكْرَهُ بَعْدَه، وذَكَرَهُ عن عطاءٍ. الثانية: ليس لها استدخالُ ذَكَرِ زوجها وهو نائمٌ بلا إذنه، ولها لَمْسُه وتقبيلُه بشهوةٍ، وجَزَمَ به في «الرعاية»، وتَبِعَه في «الفروع»، وصرَّح به ابنُ عقيلٍ وقال: لأنَّ الزوج يملك العقدَ وحَبْسَها..»(٧).

ومِنْ نصوص المالكية ما نَقَلَهُ القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ في «تفسيره» عن أَصْبَغَ المالكيِّ ـ رحمه الله ـ أنَّه قال: «يجوز له أَنْ يلحسه بلسانه»(٨)، وهو قولُ ابنِ وهبٍ ـ رحمه الله ـ في غيرِ «المدوَّنة»(٩).

هذا، وعندي أنَّ هذه العادة مكروهةٌ للأسباب التالية:

أوَّلًا: أنَّ اللسان مَحَلُّ الذِّكْر فينبغي أَنْ يُصانَ مِنَ المواضع التي يخرج منها البولُ والمذيُ والوديُ.

ثانيًا: أنَّنا مأمورون بمُجانَبةِ النجاسات، ولا يخفى أنَّه ـ في حالِ مُباشَرةِ هذا العملِ ـ قد لا يَسَعُ التحرُّزُ مِنَ المذي وهو ماءٌ أبيضُ لَزِجٌ رقيقٌ يخرج عند المُداعَبةِ أو تذكُّرِ الجماع أو إرادته، وقد لا يشعر الإنسانُ بخروجه، وهو مِنَ النجاسات التي يشقُّ الاحترازُ منها؛ الأمرُ الذي لا يبعد أَنْ يُخالِطَ الرِّيقَ حالَ مُباشَرةِ هذا الفعل.

ثالثًا: قد تتعلَّقُ بمَحَلِّ التقبيلِ أشياءُ قَذِرةٌ أو لها رائحةٌ قَذِرةٌ، أو يتعلَّقُ بفَرْجِه علَّةٌ فيسري الداءُ بمُلامَستِه فيُمْنَعُ طبًّا، فإِنْ لم تكن عُرْضةً للأمراض فإنَّ هذا الفعلَ مكروهٌ بالطبع تَسْتقذِرُهُ النفوسُ السليمة.

رابعًا: وقد يحصل ـ كثيرًا ـ العدولُ عن الاستمتاع بالجماع في الفَرْج الذي هو مَحَلُّ الحرث ومصدرُ النسل والذُّرِّيَّةِ بسبب التلذُّذ بهذه الكيفية.

وغيرِها مِنَ الأسباب التي تكونُ أَدْنَى درجاتِها الكراهةَ؛ لذلك يذهب بعضُ المالكية إلى أنه ليس مِنْ مكارِمِ الأخلاق وشِيَمِ أهل الفضل، واستقبحه ابنُ الموَّازِ وغيرُه(١٠).

والعلم عند الله تعالى؛ وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٦ ربيع الثاني ١٤٢٤ﻫ
الموافق ﻟ: ٣ جوان ٢٠٠٣م

الفتوى رقم: ١٥١

الصنف: فتاوى الأسرة – عقد الزواج – آداب الزواج

 

(١) أخرجه ابنُ ماجه في «الطهارة» باب النهي أَنْ يرى عورةَ أخيه (٦٦٢) وفي «النكاح» باب التستُّر عند الجماع (١٩٢٢)، وأحمد في «مسنده» (٢٥٥٦٨) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. والحديث ضعَّفه الشيخ الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ كما في «إرواء الغليل» (٦/ ٢١٣) رقم: (١٨١٢) و«آداب الزفاف» (ص ٣٤).

(٢) أخرجه ابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَنْ بَنَى في حقِّه ما يضرُّ بجاره (٢٣٤٠) مِنْ حديثِ عبادة بنِ الصامت رضي الله عنه، وبرقم: (٢٣٤١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٣/ ٤٠٨) رقم: (٨٩٦) وفي «السلسلة الصحيحة» (٢٥٠).

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الحيض» (٣٠٢) مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

(٤) انظر حديثَ عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه البخاريُّ في «الغُسْل» بابُ غُسْلِ الرجل مع امرأته (٢٥٠)، ومسلمٌ في «الحيض» (٣١٩، ٣٢١، ٣٣١)، وحديثَ أمِّ سَلَمة رضي الله عنها الذي أخرجه البخاريُّ في «الحيض» باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها (٣٢٢)، ومسلمٌ في «الحيض» (٢٩٦، ٣٢٤)، وحديثَ ميمونة رضي الله عنها الذي أخرجه مسلمٌ في «الحيض» (٣٢٢).

(٥) أخرجه أبو داود في «الحمَّام» بابُ ما جاء في التعرِّي (٤٠١٧)، والترمذيُّ في «الأدب» بابُ ما جاء في حفظ العورة (٢٧٦٩، ٢٧٩٤)، وابنُ ماجه في «النكاح» باب التستُّر عند الجماع (١٩٢٠)، مِنْ حديثِ بَهْزِ بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه مُعاويةَ بنِ حَيْدة رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٦/ ٢١٢) رقم: (١٨١٠) وفي «آداب الزفاف» (ص: ١١١).

(٦) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ١٣٧٠)، و«تفسير القرطبي» (١٢/ ٢٣٢).

(٧) «الإنصاف» للمرداوي (٨/ ٣٣).

(٨) انظر: «تفسير القرطبي» (١٢/ ٢٣٢).

(٩) انظر: «مناهج التحصيل» للرجراجي (٢/ ٣٦).

(١٠) انظر: «البيان والتحصيل» لابن رشد (٥/ ٧٩)، «مناهج التحصيل» للرجراجي (٢/ ٣٦)، «مواهب الجليل» للحطَّاب (٣/ ٤٠٦).