هل يَدخل طالب العلم في سهم «في سبيل الله» من الزكاة؟
 الناشر : admin11 قسم:فتاوى

هل يَدخل طالب العلم في سهم «في سبيل الله» من الزكاة؟

السـؤال:

قرأتُ في «تفسير الشيخ السعديِّ» -رحمه الله- في آية الزكاة من سورة التوبة في بيان صنف «وفي سبيل الله» قولَه: «وقال كثيرٌ من الفقهاء: إنْ تفرَّغ القادر على الكسب لطلب العلم أعطي من الزكاة؛ لأنَّ العلم داخلٌ في الجهاد في سبيل الله» اﻫ.

فهل يدخل في سهم «في سبيل الله» طالب العلم؟ كأن يعطى من المال من أجل السفر لطلب العلم أو لشراء الكتب؟ وجزاكم الله كلَّ خير.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فبغضِّ النَّظَرِ عن مذهب المُوَسِّعين في معنى «في سبيل الله» في آية مصارفِ الزكاةِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ…﴾[التوبة: ٦٠]، فإنَّ ما دلَّت عليه السُّنَّةُ الصحيحةُ دخولُ صِنفينِ فيه فقط، وهما:

الأوَّل: الغازي الذي ليس له سَهْمٌ أو راتِبٌ في الخزانة العامَّة ولو كان غنيًّا لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا المِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ»(١)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «ثَلاَثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمْ: المُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالمُكَاتِبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفَافَ»(٢).

الثاني: الحاجُّ حَجَّةَ الإسلام فهو في سبيل اللهِ، ويُعطى من الزكاة ما يحجُّ به إن كان فقيرًا، لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: «أَرَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَجَّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا: «أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمَلِكَ» فَقَالَ: «مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ»، قَالَتْ: «أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلاَنٍ»، قَالَ: «ذَاكَ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ امْرَأَتِي تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَرَحْمَةَ اللهِ، وَإِنَّهَا سَأَلَتْنِي الحَجَّ مَعَكَ، قَالَتْ: أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلاَنٍ، فَقُلْتُ: ذَاكَ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللهِ»، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكَ لَو أحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللهِ»»(٣). وأخرج ابنُ خزيمةَ مِنْ حديثِ أبي لاَسٍ الخُزَاعِيِّ رضي الله عنه قال: «حَمَلَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِبِلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ضِعَافٍ لِلْحَجِّ..»(٤) الحديث. وقد سُئِلَ ابنُ عمر عن امرأةٍ أوصت بثلاثين دِرْهَمًا في سبيل الله، فقيل له: «أتُجْعَلُ في الحجِّ؟» فقال: «أَمَا إِنَّهُ فِي سَبِيلِ اللهِ»(٥).

أمَّا صَرْفُ الزكاةِ لطالبِ العِلْمِ وإن كان له وَجْهٌ في اندراجه ضِمْنَ معنى الجهاد عند القائلين بأنَّ الآية من بقيَّة الجهاد إلاَّ أنَّ التصريح بالغازي في الحديث يمنع هذا المعنى من جهةٍ، ولأنَّ الآية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ…﴾ نزلت وليس فيها طلبةُ العلمِ بالمفهوم الحاليِّ من التدرُّج في مدارج العلوم والتفرُّغ لها، اللهمَّ إلاَّ الاستفادة بالأحكام الشرعية من النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مباشرةً أو بواسطةً.

علمًا أنَّ أهلَ التفسيرِ اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً…﴾ [التوبة: ١٢٢]، هل أنه من بقيَّة أحكام الجهاد أم لا؟ «وقد ذهب جماعةٌ إلى أنّ الآيةَ ليست من بقية أحكام الجهاد، وهي حكم مستقلٌّ بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم الشرعي والتفقّه في الدِّين، وجعله الله متصلاً بما دلّ على إيجاب الخروج إلى الجهاد، فيكون السفر نوعين: الأول: سفر الجهاد، والثاني: السفر لطلب العلم»(٦)، وعلى هذا المعنى لا تكون الآية من بقيَّة أحكام الجهاد، فلا يصحُّ أن يُلْحَقَ طالبُ العلم بالغازي في سبيل الله، وإلاَّ لَلَزِمَ إدخالُ كُلِّ ما فيه نُصرةٌ للإسلام وإعلاءُ كلمتِهِ أيًّا كان نوع هذا الجهاد وسلاحه، سواءٌ كان الجهاد بالقلم واللسان، أو بالسيف والسِّنان، أو تعليميًّا أو تربويًّا، أو ما إلى ذلك، فمثل هذا التوسُّع في المعنى لا أعلم له نقلاً عن الرَّعِيلِ الأَوَّلِ، لذلك يُقصر معناه على ما ثبت في السُّنَّة أنَّ «في سبيل الله» في مصارف الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ…﴾ للغزاة والحجِّ.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٧ ربيع الثاني ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٥ ماي ٢٠٠٧م

الفتوى رقم: ٧١٩

الصنـف: فتاوى الزكاة

(١) أخرجه أبو داود في «الزكاة» باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غنيٌّ (١٦٣٥)، وابن ماجه في «الزكاة» باب من تحِلُّ له الصدقة (١٨٤١)، من حديث أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه.  والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (٨٧٠).

(٢) أخرجه الترمذي في «الجهاد» باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب (١٦٥٥)، والنسائي في «النكاح» باب معونة الله الناكحَ الذي يريد العفافَ (٣٢١٨)، وابن ماجه في «العتق» باب المكاتب (٢٥١٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث حسَّنه البغوي في «شرح السُّنة» (٥/ ٦)، والألباني في «صحيح الترغيب» (١٣٠٨)، وصحَّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد» (١٣/ ١٤٩).

(٣) أخرجه البخاري في «الإحصار وجزاء الصيد» باب حجِّ النساء (١٨٦٣)، ومسلم في «الحج» (١٢٥٦)، وأبو داود واللفظ له في «المناسك» باب العمرة (١٩٩٠)، من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٢٣٧٧)، والحاكم في «المستدرك» (١٦٢٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠٣١٩)، من حديث أبي لاسٍ الخزاعيِّ رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ٣٤٢).

(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٢٦٥٧٣).

(٦) «فتح القدير» للشوكاني: (٢/ ٤١٦).